شُل القطار. حركة المركبات والحافلات أيضاً توقفت. ليس هناك سوى الشعاع الأحمر المنطلق من إشارة ضوئية معلقة على عمود مثل رأس مقطوع! لم يعد المبنى الدائري الذي استوقف الركاب والمشاة، بطبقاته الست عشرة موجوداً. وحده نابوليون على حصانه الأسود والعلم الإسرائيلي الذي حملته إياه البلدية الاحتلالية مثله، وحده هناك، فوق تل الفخار، عند مدخل مدينة عكا المحتلة، على ساحل فلسطين. لا تزال قبعة نابوليون، التي رماها إعلاناً لاستسلامه، غير قادرة على اجتياز سور قاهرته، وهي وحدها التي قد تستوقف العابرين لاحقاً!

عكا، التي حافظت على هويتها العربية متمسكةً بإرثها من العمران التاريخي العائد إلى عصور خلت، ولم يتركها سكانها الأصليون أمام استفزازات الإسرائيليين ودعواتهم المستمرة إلى إفراغها، شهدت يوم أمس، تفجير أشهر مبنى عربي كان معداً كمشروع فندق «لؤلؤة البحر»، ومشاريع سكنية واستجمامية، قد دخلت لمنافسة الشركات الإسرائيلية الكبرى في البورصة، وذلك في محاولة لتأسيس بداية مرحلة من الانتقال إلى «الاستقلال الذاتي الاقتصادي» للفلسطينيين في أراضي عام 1948، كما يشرح لـ«الأخبار»، المالك السابق للشركة، يعقوب بولس.
لكنّ قاضية محكمة الصلح في مدينة عكا، شوشناه كوهين، أقرت بهدم المبنى وتفجيره بناءً على ادعائها بوجود «ضرر للمصلحة العامة في بقاء المبنى على حالته الراهنة، فهو هيكل بنائي متعدد الطبقات، وبُني منذ سنوات عدّة بجانب شاطئ البحر، من دون وجود أي نية لإكمال بنائه وتطويره». وجاء قرار كوهين بعدما تقدمت «لجنة التخطيط والبناء في عكا»، الممثلة بالمدعية العامة لبلدية الاحتلال في المدينة، إيليت مخائيلي، بالطلب، وهو القرار الذي صدر عقب سابقه عن المحكمة المركزية في حيفا المحتلة.

قضى التضييق الضريبي والقضائي على حلم مالك الشركة ومن معه

بناءً عليه، في السادسة صباحاً، هدم المبنى الأسطواني القريب من شاطئ التمور خلال عشر ثوان، بعدما أقامت شركة إسرائيلية مختصة في التفجير والهدم غرفة عمليات في استاد كرة القدم، موقفةً حركة القطارات والمركبات، ثم فجرت المبنى الذي تدربت على تفجيره ثلاثة شهور.
يشرح بولس، وهو الابن الذي تولى متابعة مشاريع «شركات بولس»، أنه في نهاية 1999 وبداية 2000 بدأ تنفيذ المشروع، وكان يفترض أن يصل إلى علو مئة متر، ويضم 32 طبقة، وبرجاً، ومئتي جناح فندقي، إضافة إلى مئات الحوانيت والمطاعم ومراكز الترفيه.
لكن سلطات الاحتلال، عبر ذراعها المصرفية في بنك «ديسكونت»، استكملت حملة التضييق الاقتصادي بفرض ضرائب باهظة أدت في النهاية إلى تحطيم مشاريع «مجموعة بولس للرخام والبناء والسياحة»، قبل أن يستولي الحارس القضائي للحكومة أخيراً على مشروع فندق «لؤلوة البحر»، ويطرحه في مزاد علني، ثم تشتريه شركة «تسوميت للاستثمار»، لمالكها حمود منهل.
يتابع بولس رداً على سؤال «الأخبار» حول آلية العمل المجحفة التي اتبعتها المحكمة، قائلاً إن «والده لم يعلن إفلاسه كرجل أعمال، وحتى الشركة لم تعلن إفلاسها... ما حدث هو أنه منذ الثمانينيات لوحقت شركات بولس بالضرائب، وعندما أعد مشروع لؤلؤة البحر للحفاظ على الوجود الفلسطيني في الداخل، بدأت السلطات الإسرائيلية ملاحقته قضائياً حتى عينت حارساً قضائياً، وذلك لمنع أي حل قضائي كما تجري الحال عندما يعلن الإفلاس».
تفجير «لؤلؤة البحر»، الذي وصفه صاحبه بأنه مماثل لمشهد «ابن يذبح أمام عيني والده»، أفرح رئيس بلدية الاحتلال في عكا، شمعون لينكري، الذي قال في حديث الى صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، إن «المبنى الذي جعل واجهة عكا البحرية مقرفة وبشعة انهار اليوم»، مضيفاً: «أخيراً، بدأنا نرى خليج عكا، والآن يمكننا البدء ببناء فنادق ومشاريع سياحية في المدينة».
في هذا الإطار، يشير بولس إلى أن «لوالده تاريخاً في النضال الوطني قبل دخوله سوق إدارة الأعمال والمشاريع وتأسيس شركاته، التي عرفت بكونها شركات عربية تعيل آلاف الأسر الفلسطينية في الداخل، كما كانت عنواناً لدعم النشاطات العربية مادياً ومعنوياً في جميع المجالات الثقافية والاجتماعية، بما فيها تلك التي كانت في عكا».
وبدأت تلك الشركات دخول سوق المال سنة 1987، وأولاها شركة الرخام العالمية التي كان لها مصنع في إيطاليا ومخازن في إنكلترا وألمانيا وجنوب أفريقيا، وهي أول شركة عربية دخلت البورصة، وصنفت كواحدة من الشركات المنافسة لمثيلاتها الإسرائيلية. وفي 1994، انضمت إلى ركب شركات البناء، ثم إلى شركات السياحة في 2000، حتى أنهى القضاء الإسرائيلي مسيرتها في عام 2004، بعدما أحكمت سلطات الضرائب قبضتها على الشركات عن طريق وقف عمل جميع موظفي الإدارة، وإخضاعهم لتحقيقات دامت سنة، ثم إخضاعهم لمحاكمة لا تزال مستمرة حتى اليوم. بعد ذلك، توفي الأب بولس عام 2010 من دون أن تسنح له الفرصة للدفاع عن نفسه وحلمه الذي كان قد حصّل دورة مالية بلغت أكثر من 400 مليون دولار أميركي!