"إرحل يا حبيبي.. حبيبي.. أهلي ما يرضون"!

أغنية قديمة للمغني راغب علامة

■ ■ ■


هل تعرف الممثل "كيفانش تاتليتوغ"؟ آها! إن لم تتعرف إليه بهذا الاسم، فلعلك ستعرفه باسم "الممثل التركي مهند". إن قصتي اليوم لا علاقة لها بهذا الممثل بالطبع، بل بشاب يفوقه وسامة بنحو كبير، ومن مدينة غزة أيضاً: رامي. في غزة، ينادون كل من يحمل هذا الاسم بلقب "أبو الروم"، ولكن رامي كان لقبه الخاص بين معارفه: "روميو"، وهو لقب يستحقه عن جدارة!
لو كان هنالك مسابقة لـ"ملك جمال قطاع غزة"، لفاز فيها صديقنا رامي بلا منازع. كان قد ورث عن والده طول قامته وبنيته القوية وذكاءه الحادّ وعقله الراجح، فيما أورثته والدته بياض بشرتها وعينيها الزرقاوين وشقرة شعرها. هو وشقيقته الكبرى الوحيدان اللذان حظيا بهذه الملامح من بين أشقائه الستة. كان من المتفوقين في دراسته، مرحاً ومخلصاً وذا شعبية كبيرة بين أصدقائه الشباب بسبب مرحه وشخصيته القيادية. لكَ بعدها أن تتخيل عدد "المعجبات" في حياة صديقنا هذا!
بكل تأكيد، كان "مغروراً" كالطاووس، ويتباهى بأنه "كازانوفا العصر الحديث": الاتصالات الهاتفية من الفتيات لا تنقطع عن هاتفه المحمول. طلبات الصداقة مكدسة في حساب "فيسبوك" الرسمي الخاص به بالأطنان (اضطر إلى عمل حسابات أخرى "سرية" كي "يلعب بذيله على راحته"!)، وحبيباته من مختلف بلاد الله: "الشقر والسمر والحمر والصفر من كل فج وميل"! بمجرد أن يذهب إلى مكان ما، تطارده عيون النساء وتدور حوله، تماماً كما تدور الكواكب وأقمارها حول الشمس.
كانت علاقاته الغرامية عبارة عمّا يشبه "الأفلام القصيرة" و"بالجملة": تدخل في حياته فلانة – معها فتيات أخريات كثيرات و"بالكبشة" – ثم يتخلى عنها – أو عنهن – سريعاً لأنها "مملة/ مملات" و"مش عاجباه/ عاجبينو". من كثرة علاقاته الغرامية وتعددها، كانت من أكبر مخاوفنا جميعاً أن نتزوج ذات يوم لنجد في رقاب زوجاتنا "تيكيت" أو ختماً ما، توجد به عبارة واحدة: "إنها حبيبة سابقة لرامي"!! لم تصمد أي فتاة في علاقة معه لأكثر من أشهر معدودة، ثم يطوي صفحة ليفتح صفحة من بعدها. كان صديقاً رائعاً لنا نحن أصدقاءه الذكور ووفياً، إلا أن الأمر كان مختلفاً في ما يتعلق بالفتيات: كان يترك جراحاً مُرَّة في حياة كل منهن ثم يمضي. سألته مرة: "ليش بتعمل هيك معهن؟".
-"كيف يعني؟".
-"ليش ولا علاقة من علاقاتك العاطفية نجحت يا زلمة وكملت السنة!!؟".
ابتسم بهدوء. قال لي: "أنا بأدور على بنت متميزة في كل شيء. تكون استثناء مش "حيا الله واحدة". بدي إياها للعمر. فاهمني؟".
-"لا مش فاهمك. اللي بتعمله هاد أكبر غلط والله راح يحاسبك عليه. بكرا راح ييجي اليوم اللي تطب فيه على وجهك وبأذكرك يا حاج روميو".
التفت إلي ساعتها وابتسامة شديدة السخرية ظاهرة على وجهه: "طيب يا "ضميري"، ما عاشت ولا كانت اللي تخليني أنا أطب على وجهي"!!
وجاء اليوم الذي لم أتخيل أنه سيأتي: "سي روميو طب على وجهه يا شباب"!! كذلك، كان انتقام القدر منه على ما فعله بالفتيات رهيباً!

■ ■ ■


"مريم مريمتي.. وعيني مريما..
والقلب مجروح.. بدو مريما"!
أغنية شامية تراثية

■ ■ ■


كنا جالسين في كافيتريا أمام البحر: كنتُ قد أصبحتُ مغرماً بلعبة الشطرنج، بعد أن علمني إياها صديق عزيز من مخيمي (بإمكانكَ مراجعة وجوه 5 – العودة من البقاع المقدسة)، والذي كان بارعاً فيها لأقصى حد. "رامي" كان بارعاً فيها أيضاً إلى حد بعيد، لكنه كان "أستاذاً" في هذه اللعبة، وتكتيكاته وأساليبه في اللعب شديدة المهارة، ولا عجب في ذلك، فقد كان يتابع عبر اليوتيوب الكثير من المباريات، مع دراسته لأهم الخطط العالمية المعروفة في الشطرنج. كان يستمتع باللعب معي، لأنني كنتُ من القلة الذين أجادوا هذه اللعبة وفهموا طريقة لعبه، فصارت متعتنا المشتركة "تبادل الهزائم" مرة تلو الأخرى!
لكنه في هذه المرة بالذات، لم يكن على عادته: ارتكب أخطاءً تُعَدّ "كارثية" بالنسبة إلى المحترفين. فقد الحصانين اللذين لديه دون مقابل! راحت قطعه تتلاشى من رقعة اللعبة تباعاً، قبل أن أضطر إلى إيقاف اللعب. لم أكن أريد أن أربح بهذه السهولة. كنتُ أريد أن أستمتع باللعب مثلما جرت العادة. سألتهُ عما أصابه ولم يلعب معي وكأنه مخمور أو تحت تأثير المخدرات؟! بقي صامتاً وأدار وجهه ناحية البحر. سألته: "إيش صاير عندك يا رامي؟ الحاج والحاجة (والداه) بخير؟ صاير عندكم مشاكل عائلية؟؟". قال باقتضاب إنهما بخير، ولا مشاكل هنالك من ذاك النوع. بعد محاصرتي له بالأسئلة، قلتُ له فجأة: "مشكلة عاطفية. مش هيك؟!".
التفت إليّ سريعاً وفي عينيه نظره غريبة، ثم أدار وجهه إلى البحر سريعاً. هكذا إذاً! "بتخبي على مين يا صاحبي"؟! قلتُ له بابتسامة منتصرة: "شكلك طبيت على وجهك يا "روميو"! لأنو عمرك ما حسبت حساب لا بنت ولا فرقت عندك قصص البنات: بالنسبة إلك، اللي بتروح الله معها. فيه ملايين غيرها! بس الظاهر إنك وقعت أخيراً"! كانت الهالات السوداء واضحة تحت عينيه والضيق جليّاً في ملامحه التي تعكّر صفوها. كان يبدو حائراً وبحاجة لمن يسمعه ويستشيره. قال لي: "بأقولك. بس ما تجيب سيرة لحدا. اتفقنا؟".
بعدها، عرفتُ ملخص القصة: هي زميلته بالجامعة. اسمها "مريم". جميلة جداً و"ما فيه متلها البنت": ذات أخلاق عالية واستثنائية و"خلته يقع على وجهه كفي"! كانت جافة معه وصدته لفترة طويلة، إلى أن انتصر الحب عليهما وجمع بين قلبيهما. قلتُ له مبتسماً: "الحمد لله إنو الله بعتلك أخيراً اللي تهدي بالك! ليش ما تطلب إيدها من أهلها؟".
قال لي بيأس كامل: "ما بينفع نهائياً أتقدم إلها. ما بينفع نتجوز أساساً". كنتُ أعرف أن الكثير من العائلات في غزة قد ترفض الشاب لأنه قد يكون من أسرة متواضعة الحال، لكن حالة والد رامي المالية ممتازة، فهو مالكٌ لعدد من الأملاك التي تدرّ عليه دخلاً طيباً، فضلاً عن كونه تاجر عقارات أيضاً. لعل السبب أن رامي ليس من العائلات الكبيرة. يحدث أن ترفض عائلة الفتاة العريس لأنه ليس من كبرى العائلات الغزية، ولأنها تريد عريساً "من نفس المقام والمستوى"، أو لأن الفتاة جميلة جداً ويبحثون لها عن عريس يكون وسيماً وغنياً كي يسعدها، حسبما يعتقدون، أو قد يرفضونه لأن الفتى "غير متديّن ولا يصلي وسمعته سيئة" إن كانت العائلة محافظة أو متدينة. ناقشته في جميع الأسباب السابقة، فأكد لي أن السبب ليس واحداً منها. "وبعدين في ها الحُزِّيرة (اللغز)؟!".
أي شعور ذاك الذي جاءني فجأة؟ كأن عقلي كان كالحجرة المظلمة، ثم جاء هذا الخاطر كي ينير عقلي فجأة "بكبسة زر". ضربتُ جبهتي وأنا أقوله له: "هلقيت بس فهمت! والا رامي: حبيبتك مريم مسيحية؟!!".

■ ■ ■


كان هو في السنة الثانية الجامعية، عندما تعارفا: كان الأول على دفعته ومن المتفوقين في الجامعة، وكان حلم كل فتاة بالجامعة أن تنال إعجاب "روميو أفندي". إلا هي! كانت ذات جمال طاغٍ: عينان خضراوان وشعر كستنائي، مع قوام جميل. كانت لا تجلس إلا مع الفتيات وحدهن. طاردها الشباب في الجامعة محاولين الظفر بها دون جدوى. أما هو، فكأي "محترف في العلاقات الغرامية"، كان لا يقوم بأية علاقات غرامية مع فتاة من جامعته، كي يحافظ على شعبيته الطاغية داخل الجامعة بين الأساتذة والطلاب على السواء. كان الكل يحترمه ويتحدث معه باحترام كامل إلا هي، إذ كانت تتجاهله تماماً وبشكلٍ عدائي. إن كان موجوداً في مكان غادرته فوراً. تتعامل معه وكأنه "وباء". أمر مفهوم من فتاة لن تخفى عليها علاقاته الغرامية المتعددة – إن أرادت أن تتحرى وتبحث جيداً – فضلاً عن أخبار الفتيات اللواتي شكلن "فرق مطاردة" من أجله خصيصاً!
كانت "الطامة الكبرى" بالنسبة إليه حصوله على "المرتبة الثانية" في مادة تتعلق بالدين الإسلامي، فيما تحصلت هي على أعلى درجة في المادة، رغم أنها مسيحية!! مريم لم تكن استثناءً في الحقيقة، فالعديد من المسيحيين في غزة استطاعوا الحصول على أعلى الدرجات في المواد الدينية الإسلامية التي تُدَرَّس في بعض الجامعات بغزة كـ"مواد جامعية إجبارية" للطلاب المسلمين، وكان بالإمكان إعفاؤهم منها، إلا أنهم أثبتوا تفوقهم في أدق تلك المواد وأصعبها، بما فيها حفظ القرآن والأحاديث النبوية!! عند باب قاعة المحاضرات، قال لها ببرود بان فيه غله المكبوت: "مبروك"! ثم مضى في طريقه!
كيف تقاطع طريقهما سوية؟ بدأت المسألة بالتدريج، ومن خلال الاحتكاك بالجامعة، على مدى عامين كاملين، قبل أن يعترف كل منهما بحبه للآخر: اكتشف أنها كانت تقاطعه لأنها اعتقدت أنه "سطحي وزنخ وعامل حالو فيها أبو النسوان اللي ما بتستعصي عليه بنت"، لتراقبه خلسة على مدى شهور طويلة، قبل أن تكتشف أنها تحبه! والآن: وجب عليهما أن يُبقيا علاقتهما سرية لأبعد حد، وإلا كانت العواقب وخيمة على مريم.
بدأتُ بعدها أتتبع بشغف تفاصيل علاقتهما "المحرمة": كان من المستحيل لها أن تتزوجه لأنه من دين غير دينها، كذلك رفضت الفرار من بيتها أو السفر خارج قطاع غزة والزواج به هناك، كي لا تجلب العار لأهلها. رفضت تغيير دينها لأنها مقتنعة به، ولا تريد أن تغيره، ولو ظاهرياً، كي "تحظى بحماية مجتمعية لها، يمكنها من خلالها الزواج برامي"، كذلك سيرفض أهله ـ بالتأكيد ـ ارتباطه بها بتاتاً ما لم تُعلن إسلامها على الأقل. كانت جميع أبواب الحلول مغلقة في وجه "روميو".
سبحانك يا رب! تغير حال رامي تماماً: أخبرني بأنه قطع علاقته مع جميع الفتيات عداها هي. أحبها بإخلاص كامل، رغم أنه كان يدرك منذ البداية أنه "حب محكوم عليه بالفشل". تخرجا وسارت بهما الحياة في مسارات مختلفة، إلى أن كلمني رامي كالمجنون ذات يوم كي يراني. قال لي بمجرد جلوسنا سوية: "مريم خطبت"! لم أعقِّب بشيء. تركتهُ يُفرغ ما في داخله من آلام عبر "الفضفضة" والحديث سوية: كانت قد أرسلت له رسالة بهذا الخصوص وأخبرته بأنها الأخيرة. لم تعد تردّ على اتصالاته أو رسائله. لم يعد هو يعرف النوم بتاتاً. كاد أن يُجَنّ. حصل على منحة إلى بريطانيا لدراسة الماجستير. قال لي والأسى يملأه: "ما عاد إلي عيشة بها البلد بعد ما تزوجت مريم"! ومنذ ذلك اليوم، لم أتمكن من التواصل معه: كان قد أغلق حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وأوصى أهله بألّا يعطوا رقم هاتفه المحمول في الخارج لأي شخص مهما كان. أفكر فيه الآن بعمق وأتساءل: "وينك ووين أراضيك يا روميو؟ وإيش عاملة فيك الدنيا هلقيت؟". ذكي هو، وبالتأكيد أنه قد تدبر أمره في دولة ما، لكنني متأكد أيضاً أنه لن ينسى مريم إلى أن تحترق آخر نجمة في هذا الكون الفسيح.