لم يتغيّر حب سودة للفول الممزوج مع الحر والزيت والكمون يوماً. بقي هو نفسه في سنوات المال وليرة الذهب ذات الإطار المبروم والمتدلية على صدرها، تماماً كما في سنوات الشتات القاهرة. حتى إنها كانت تتناوله على السحور في شهر الصيام وتدعونا لتناوله معها كلما أعدت طبقاً عميقاً منه. لكن بالنسبة لنا نحن الصغار ــ فإن مناقيش الجبنة التي تعدها سودة بمساعدة أمي وزوجة عمي في الدار على نار الفرنية، لهي الفطور الأحب إلى قلبنا في عطلة نهاية الأسبوع.

أذكر أننا طلبنا من سودة أن تعد لنا مناقيش الجبنة صباح يوم الأحد، لكنها أخبرتنا أنه ليس لديها الوقت الكافي لخبز العجينة وإشعال الفرنية، لأنها ستذهب مع صديقتها "رفيقة" عند الخياطة. فقد كان عمي قد أرسل لها من الدانمارك قطعة قماش زرقاء مزينة بنقوش الياسمين، كمعظم فساتينها. لهذا السبب، لم يكن بوسعنا سوى أن نفطر على الفول على الطريقة الفلسطينية الأصيلة.
وصلت رفيقة الى "دار سيدي" وطرقت الباب، منادية على سودة التي أمرتنا بتنظيف الصحون وإغلاق باب غرفتها عند انتهائنا من تناول الفول. وفعلاً، قمنا بكل التوجيهات التي حفظناها لشدة ما كررتها سودة. ثم خرجنا الى الدار حاملين أربع وسادات وضعناها على الأرض لنلعب عليها. كنا نضع كرسياً خشبياً نقف عليه بالدور ونقفز على الوسادات. قفزت أختي التي هي أصغر الأحفاد على الوسادات مثلنا تماماً، لكنها عندما همّت بالوقوف، بدت كأنها غبر مستقيمة ــ فتمايلت قليلاً كأنها تعاني من دوخة طفيفة. فرافقناها طوال الدرج الى فوق وأخبرنا أمي بما حدث. فطمأنتنا وقالت ليس هناك شيء يدعو الى القلق، لكن علينا أن نخفف من القفز لأننا سندوخ مثلها. نامت أختي طوال النهار، وعندما استيقظت قبل مغيب الشمس، سمعنا صوت أمي تتحدث عبر هاتف المنزل ذي دولاب الأرقام الأحمر مع أبي بصوت يحمل شيئاً من الخوف. أخبرته أن لون أختي أضحى أصفر وأن حركتها خفت منذ الصباح، وأن عليه أن يحضر حتى يأخذوها الى الطبيب.
وصل أبي بعد نصف ساعة، كانت أمي تنتظره دون صبر، تمسح على رأس أختي وتتمتم ببعض آيات من القرآن. لم يسمح لنا أبي بالذهاب معهم الى مستشفى المخيم. مضت ساعتان كاملتان حتى عادت سودة الى الدار، هرعنا إليها وأخبرناها بما حصل. فناولتنا الأكياس التي كانت بحوزتها ولحقت بهم الى المستشفى. لم يعودوا في الليلة نفسها، بل رجع أبي وبقي معنا حتى غفونا جميعاً.
في اليوم التالي، عادت سودة الى الدار وهي متبسمة وأخبرتنا كيف أنها تشاجرت مع الممرضات في المستشفى، واصفة إياهن بالغبيات لأنهن كن يردن نقل وحدة دم لأختي بعدما تبين من خلال الفحوصات أن من المحتمل إصابتها بفقر الدم. وأن ما حدث مع أختي هو "تفويلة" حسب كلام سودة: "فوّلت من أكل الفول، ما لايمها" (أي لا يلائمها أكل الفول) بعدما تبين لها أن الاصفرار يظهر في البول. وطلبت منا أن نحضر كوباً كبيراً من شوال عدس الفول المجروش الموضوع في غرفة العدة والمونة. وقالت إن على أختي أن تشرب ماء العدس المنقوع حتى يخرج كل الاصفرار من جسمها.
وبعد يومين من شرب ماء العدس، عادت أختي الى صحتها المعتادة وظهر التورد والاحمرار على خديها كما كانت. فما كان منا إلا أن بدأنا نلقب سودة بالـ"حكيمة" (أي الطبيبة) ولكثرة ما نادينا عليها بـ"ستي حكيمة"، صرخت بنا قائلة: "واسا مين اللي طلع المخدات عالدار نهار اللي رحت عند الخياطة ليوكل نصيبه"؟