منذ عامين، لم ينظر الشاب محمد العايدي إلى قدمه اليسرى. أحد الصواريخ الإسرائيلية ترك بصمته الغائرة في لحمه. أعيد بناء المنزل المقصوف، في غزة، بعد سنة ونصف سنة، لكن تشوهات قدمه لا تزال تذكّره بأهوال صيف تموز 2014.

بين عيادات جراحة التجميل المحلية، الباهظة التكاليف والمحدودة الخبرة، وبين محاولات الحصول على تحويلة للعلاج في الخارج، تضيع سنوات العايدي. حاول جاهداً البحث عن منحة علاج، لكن وزارة الصحة ردت بالرفض، لأن «هذه العملية ليست ضرورية وهناك من هو أولى»، كما أن الإغلاق المتكرر لمعبر رفح البري مع مصر، حال دون سفره.
العلاج بالنسبة إلى محمد ليس ترفاً كما يظن البعض، لأنه حالياً يحجم عن الزواج، ويتحاشى لبس ملابس الصيف أثناء الرحلات. يقول: «لا أحاول أن أشاهد قدمي، في بعض الأحيان أمرر يدي على ملابسي فوق الجرح وعندما أشعر به ينتابني الغضب وأصرخ... أتمنى أن أستطيع إجراء عملية تجميل لأعود إلى حياتي الطبيعية».
رغم كل تلك المعاناة، قد يبدو حال العايدي أفضل مما هو عليه أبو حاتم عياش، الذي كانت إصابته سبباً في فقدان عمله. لم يعد الرجل الخمسيني يقوى على ممارسة مهنة البناء بعدما فقد يده اليمنى وعينه اليسرى.
يقول عياش: «أصبحت غير قادر على سداد إيجار البيت الذي كنت أقطن فيه مع أسرتي الصغيرة، زوجتي وطفلتي، وخاصة بعد المماطلة في صرف مستحقات جرحى العدوان الأخير 2014 من السلطة الفلسطينية أو مؤسسة أخرى تدعمنا وتسهل متطلباتنا». هو الآن مجبر على العيش في بيت عائلته الذي يضيق أساساً بثمانية من الأشقاء.
شعور الوصول إلى «أرذل العمر» يتملك عياش، رغم أنه لم ينه الثلاثين. وبات الآن يتنقل للبحث عن الدواء بين المؤسسات الإغاثية. يضيف: «أشعر كأنني متسول من مؤسسة لأخرى أطلب من يساعدني في علاجي بعدما فقدت الأمل في السفر إلى الخارج لزراعة أطراف صناعية».
أما في رواية إكرام، فلا يزال يوم العشرين من تموز 2014 يرعبها حتى اليوم. هي لم تنس شظايا الصاروخ التي مزقت وجهها، وقد اضطرت إلى الاستغناء عن المرآة من غرفتها. واليوم بعد عامين من انتهاء الحرب، تنتظر الشابة العشرينية أن يسمح لها بالسفر لإجراء عمليات تجميل في وجهها لتتعافى من الحالة النفسية التي تلازمها.
وتذكر إحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية أن 3623 جريحاً من أصل 10870 جريحاً يعانون إعاقة دائمة، ويحتاج كثيرون منهم الى عمليات تجميل لإخفاء التشوهات التي تسببت بها الإصابة. وتوقعت الوزارة أن هناك جرحى ستستمر إعاقتهم، وهم بحدود 56 ــ 60 جريحاً، أي بنسبة 5% من الجرحى الذين أصيبوا خلال العدوان الأخير على غزة.
لكن خيارات العلاج في غزة محدودة، لأن إغلاق معبر رفح البري بصورة شبه دائمة يجعل العيادات الخاصة ومراكز التجميل البسيطة خياراً جبرياً. وفي السنوات التي تلت الحروب، شهدت تلك المراكز إقبالاً ملحوظاً. وبرغم أن تكاليف هذه العمليات بسيطة إذا ما قورنت بالخارج، فإنها مرتفعة إذا ما قورنت بالوضع المعيشي للسكان.
وتسجل إحصاءات مركز «جراحة التجميل والليزر»، وفق «المركز الفلسطيني للإحصاء»، في مدينة غزة، إجراءه 15 عملية تجميل كبرى وأكثر من مئة عملية صغرى، بمعدل شهري، خلال العامين الأخيرين.
نافذ أبو شعبان، وهو مدير «قسم التجميل والحروق» في «مجمع الشفاء الطبي»، يقول معقباً، إن «مجال جراحة التجميل واسع جداً، ويحتاج إلى أعداد كبيرة من المتخصصين، لكن الحصار يحدّ من تطور القدرات البشرية ويمنع دخول الأجهزة الطبية اللازمة في هذا المجال، ما يجعل المستوى الطبي مقيداً بقدرات الأطباء الذاتية».