ليلة الرابع من آب 2014، استراحت إسرائيل من عبء العملية البرية بإعلانها سحب القوات المتوغلة في الأحياء الشرقية من القطاع، فأسقطت من يد المقاومة ورقة قوة أسهمت خلال سبعة عشر يوماً في رفع كلفة الحرب البشرية على العدو. عندئذ، بدأت مرحلة تسجيل الإنجازات إسرائيلياً، حينما استغل العدو كل لحظة لمراكمة معلومات مخابراتية سيوظفها عندما تحين الفرصة.

قد يصحّ القول إن المستوى السياسي في فصائل المقاومة، ومن ورائه العسكري، وقع فعلياً في الفخ، ليس بعدما ضرب بالورقة المصرية عرض الحائط في اليوم العاشر من الحرب، بل عندما تابع صعود شجرة شروط وقف النار التي أطالت أمد الحرب، في وقتٍ كانت فيه المقاومة قد استنفدت قدراً كبيراً من مفاجآتها، وأنفقت مخزوناً صاروخياً انعكس على غزارة النار في النصف الثاني من المعركة، وبدا ذلك واضحاً عندما عادت المقاومة إلى استخدام الهاون في «ضرب مستوطنات غلاف غزة» بغزارة.
التقطت إسرائيل إشارة التراجع من ضرب العمق (تل أبيب وحيفا) إلى الأطراف (المستوطنات)، بإيجابية، فأخلّت قواتها من مجال سقوط «الهاون»، لينفرد سلاح الجو لديها بالعمل. كما لم تكن الأزمة عسكرية فحسب، ففي السياسة، أصاب الانقسام وفد المفاوضات الفلسطيني في القاهرة: «حماس» كانت ترى في قطر وتركيا بديلاً من مصر التي لم توازِ ورقتها الإنجاز الميداني التي كان تطمح الحركة إلى أن تحصدها، فيما أصرت «الجهاد الإسلامي» على التمسك بالقاهرة.
والمشكلة أن شروط وقف الحرب (رفع الحصار والميناء وفتح معبر رفح) التي تبنتها «كتائب القسام»، وأعلنت أنها ستخوض في سبيلها حرب استنزاف طويلة قد تجر الاحتلال إلى الغرق في مستنقع حرب برية جديدة، جاءت أكبر من حجم حرب كهذه، لأن شروط «حماس» كانت تشبه مكتسبات اتفاق سياسي شامل، وليس جولة قتال طويلة.
وقعت الفصائل الفلسطينية في شرك الأهداف الكبيرة الذي حاذر العدو الوقوع فيه، لكنها ظلت تشدد على تلبية كل مطالبها. من هنا، كان على إسرائيل أن تبحث عن صيد ثمين تهدئ باغتياله جبهتها الداخلية المشتعلة بسبب كلفة العملية البرية، ثم تخرج من الدرج أحد خيارات ليّ الذراع عندما تقرر توقيت النهاية. وظهر أن حسابات الميدان صارت معقّدة، كما الحسابات الإقليمية التي كانت أكثر تعقيداً؛ وخلافاً لحرب 2012 (عصر «الإخوان المسلمون» الذهبي) كانت غزة في 2014 تقاتل وحدها. وبعد النجاح في عدد من الاغتيالات اقتربت ساعة النهاية.
من جهة المقاومة، لم يكن التوقيت مثالياً، لكن ليلة واحدة من قصف الأبراج السكنية قدمت نموذجاً لصورة غزة التي ستعود إلى ما وراء التسعينيات إذا استمرت الحرب. من ثمّ، توقف إطلاق النار في اليوم الواحد والخمسين بقبول الورقة المصرية التي رفضتها الفصائل في اليوم العاشر. احتفلت «حماس» دون أن تحقق أياً من الأهداف المعلنة، كما أن إسرائيل حققت هدوءاً سيستمر إلى وقت جيد، ظهرت آثاره في العامين الماضيين عبر معادلة الردع المحدود.