في الشكل، جمعت مراسم التوقيع وجوهاً «ظلامية» على أخرى من السنخ نفسه، في بلد بات تصنيع التكفير وتصديره السمة الأبرز من سماته. تقدّم المراسم، من الجانب اليمني، وزير العدل السابق، عبد الوهّاب الديلمي، صاحب الفتوى الشهيرة، عام 1994، بجواز «قتل المستضعفين، الذين تترّس أعداء الإسلام بهم»، مشيراً بذلك إلى قيادات «الحزب الاشتراكي» التي كانت تحكم اليمن الجنوبي، آنذاك، بوصفها قيادات «أعلنت الردّة والإلحاد والبغي والفساد والظلم بكلّ أنواعه وصنوفه».

وتقدّم المشاركين اليمنيّين، أيضاً، أبو الحسن السليماني المأربي، صاحب السبق في التدريس بمدارس عبد العزيز بن باز في وادي عبيدة بمأرب، والمتتلمذ على يدي الشيخ مقبل الوادعي في دار الحديث السلفي بدمّاج في صعدة، فضلاً عن الشيوخ بن باز وبن الجبرين وبن عثيمين في الرياض ومكّة والمدينة، وصاحب كتاب «نقض شبهات الرافضة».
أمّا البقية من أمثال عبد الرب السلامي وعبدالله الأهدل وأحمد المعلّم ومحمّد اليدومي، فهم خليط من «إصلاحيّين» (إخوان اليمن) وسلفيّين مقرّبين من السعودية، متأثّرين بالشيخ عبد المجيد الزنداني ذي اليد الطولى في «الجهاد الأفغاني»، ودارسين بمعظمهم على مشائخ الوهابية في السعودية، ومرتسمة حول بعضهم شبهات الارتباط بتنظيم «القاعدة» كالشيخ أحمد المعلّم. باختصار، أُريد لتلك «الخلطة» أن تمثّل «أهل السنّة والجماعة» في اليمن، وأن تَرود، بموجب موادّ الميثاق، «المنهج الإسلامي الوسطي المعتمد على الكتاب والسنّة»!
من الجانب السعودي، حضر عضو اللجنة الإشرافية في «برنامج التواصل مع علماء اليمن»، إبراهيم بن عبد العزيز الزيد، ومستشار المشرف العام على البرنامج، عبد العزيز بن عبدالله العمّار، ممثِّلَين وزير الأوقاف، صالح بن عبد العزيز بن محمّد آل الشيخ، وارث آبائه وأجداده في رفع لواء دعوة الشيخ أحمد بن تيمية، و«التبشير» بها، وحراسة هيكلها، والسعي في نشرها في مختلف دول العالم الإسلامي. هذان الرجلان، ومعهما بقية وجوه ذلك البرنامج، بما وبمن يمثّلون، شكّلوا، بحسب نصّ الميثاق، وعاءً لتحرّك «علماء اليمن» في مواجهة مناهج الغلوّ والتكفير والتفجير!

موقّعو الميثاق
إمّا «إصلاحيّون» وإمّا سلفيّون موالون للسعودية

مفارقة ليس أشدّ منها إلّا الحديث عن «الوحدة والأمان واجتماع الكلمة»، بين كلّ المكوّنات الدعوية والمدارس الفقهية، على الرغم من غياب ممثّلي المذاهب والطرق الإسلامية الرئيسية على الساحة اليمنية، أي الشافعية والزيدية اللتين ينتمي إليهما القطاع الأعرض من الشارع اليمني، والصوفية المتجذّرة في تاريخ اليمن ونسيجه الاجتماعي وذاكرته الجمعية.
هذه المفارقات في الشكل لم تكن لتنتج إلّا أسطوانة مشروخة في المضمون، ومقالة هجينة ملغّمة بفخاخ التسييس، ومحشوّة بالرسائل العدائية، سواء على مستوى الداخل اليمني أو على مستوى الإقليم. حَرص المنظّمون السعوديّون على وصف الميثاق بأنّه مبادرة مهمّة لتقوية الجبهة اليمنية الشرعية. توصيف يرمي، بوضوح، إلى التشديد على تطييف المعركة ومذهبتها وحشرها في أضيق ما يمكن من الطرق، بالنظر إلى واحدية الموقّعين وانتسابهم إلى عين «إسلامية» متشدّدة واحدة. كما يرمي التوصيف المتقدّم إلى إضفاء الشرعية الدينية على فريق من الفريقَين المتقاتِلَين في اليمن، بما يضمن مزيداً من تأجيج النعرات وتزخيم العصبيّات وتكريس الكراهية الطائفية بين اليمنيّين، حتّى لو ارتأت السعودية إيقاف مسلسل العنف والدماء في هذا البلد.
أمّا ثاني النماذج المجلّية لذلك الانفصام فهو حذف المادّة الـ30 من «الميثاق»، التي تدعو إلى «وجوب محبّة أهل البيت»، بدعوى أن ذكر «مثل هذه الموادّ المتّفق عليها بين المسلمين قد يثير الواقع الاجتماعي في اليمن، الذي يعيش تشظّياً كبيراً بسبب إثارة الحوثيّين للورقة المذهبية، باسم الدفاع عن آل البيت». مبرّر يظهر، جليّاً، أنّه يستهدف التغطية على محاذرة اجتماع «الوهابيّين» ومن لفّ لفّهم، إيراد أيّ إشارة، ولو عرضاً، يمكن أن تشي بتودّد إلى أبناء المذاهب والطرق الإسلامية الأخرى.
يُضاف إلى ما تقدّم تعريف الميثاق بأنّه «خريطة طريق واضحة المعالم لحماية كيان المجتمع المسلم في اليمن من الاختراقات الباطنية الضالّة المبتدعة، صفوية كانت أو غير صفوية، وقطع الطريق على إيران والمناهج الفكرية والدعوية المرتبطة بها»، في إشارة مبطّنة إلى جماعة «أنصار الله». يتشبّث التعريف المتقدّم بكليشيهات الرئيس المستقيل، عبد ربه منصور هادي، حول محاولات «نشر الإثني عشرية في اليمن»، والتي باتت مرتكزاً رئيسياً لبروباغندا الإعلام الخليجي ضدّ الجماعة وحلفائها.
تشبثٌ يلازمه تغافل واضح عن أصالة الزيدية في اليمن، وثبات هويّتها، واستعصاؤها على كلّ محاولات التجريف. ما يرجح، دونما تردّد، هنا، أن الداعين والمدعوّين يدركون تلك السمات، إلّا أن أقصر الطرق، بالنسبة إليهم، إلى مكاسب السياسة هو طمس جوهرها، والتحايل عليها باستحضار معادلات دينية «تبشيرية»، تستهدف تمويه حقيقة الصراع السعودي اليمني، والإيهام بصراع يمني يمني قائم على رفض «الهويّات المستوردة والدخيلة».
لم تكد مخرجات «المؤتمر العلمائي» في السعودية تبصر النور، حتّى بدأت تستجلب «تفخيماً» من قبل «مشائخ البلاط». مفتي المملكة، عبد العزيز آل الشيخ، رأى أن الميثاق سيشكلّ «فاتحة خير لليمن»، فيما امتلأت حسابات الدعاة، المشهورين بالتفتين، بالإطراء على «ميثاق تاريخي ربّاني، يسطّر من خلاله علماء ودعاة اليمن ملحمة تاريخية»، على حدّ تعبير الداعية عائض القرني. على المقلب اليمني، جاءت حسابات الحقل مخالفة لحسابات البيدر. من قلب الجنوب، الموطن الرئيسي للاستثمار السعودي في الخلافات اليمنية، خرجت الأصوات الرافضة للميثاق، وفي مقدّمها أصوات السلفيّين المقرّبين من الإمارات، من أمثال الوزير هاني بن بريك.
رفض سرعان ما انطلقت في مواجهته أبواق الدعاة «المطبّلين» لوزارة الأوقاف السعودية، متّهمة «سلفيّي الإمارات» بـ«التشغيب»، والتطاول على «خادم الحرمين الحريص على حماية اليمن من الاختراق الصفوي». أمّا على ضفّة القوى المناهضة للعدوان السعودي، فقد جاءت الردود رافضة لـ«اجتماعات تأجيج الفتنة الطائفية، والتحريض على اقتتال اليمنيّين»، والدعوة، بدلاً من ذلك، إلى «وثيقة سلام، تلمّ شمل الإخوة، وتوقف تجارة الموت».