يا لَعلي الصغير كيف غدت عظامه رماداً، يا لوجع اللحم المنصهر في حريق دوما، لكن لا يزال النحيب الموجه إلى العدم صالحاً، وقد يتكرر لاحقاً، وخصوصاً بعدما كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، يوم أمس، عن معسكر أنشأته منظمة «ليهافا» الإسرائيلية، جنوب جبال الخليل (جنوبي الضفة المحتلة)، وتدرّب فيه أطفال المستوطنين على قتل الفلسطينيين وترويعهم، كما حدث في محرقة دوما العام الماضي، عندما أشعل مستوطن «قاصر» منزل عائلة الدوابشة، ما أدى إلى استشهاد الوالدين سعد وريهام ورضيعهما علي حرقاً، ونجاة طفلهما أحمد بعد قضائه نحو سنة كاملة في العلاج الأوليّ من حروقه.

المعسكر أنشأته منظمة «ليهافا» الاستيطانية في منطقة سريّة جنوب جبال الخليل، قبل أكثر من عام، وفيه تدرب إسرائيليون يتبعون تنظيم «فتية التلال»، من جيل الـ14 حتى 22 عاماً، على كيفية تنفيذ اعتداءات ضد الفلسطينيين في الضفة والقدس، وعمليات المراقبة، كما تلقنهم اللغة العربية، ومحاضرات حول آلية التصرف أثناء التحقيقات التي قد يخضعهم لها جهازا الشرطة والأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) في حال اعتقالهم. و«الشاباك» سبق أصلا أن أثبت تساهله (راجع العدد ٢٦٦١ في ١٠ آب ٢٠١٥) معهم في التحقيقات السابقة، كما ظهر دعم الحكومة الإسرائيلية ووزارة المالية لهم عبر تقديم إعفاءات ضريبية وعدم إخراجهم عن القانون.

قُدمت محاضرات حول الصمود في التحقيقات ورفض الاعتراف

وفق الصحيفة، فإن المعسكر هو الثاني من نوعه، لكن «ليهافا» وجدت هذا العام طلباً كبيراً من المستوطنين للالتحاق بتدريباتها، ما دفع بها إلى إقامة خمس جولات تدريبية مركزة استمرت كل واحدة ثلاثة أيام. وتدرب الملتحقون على تدريبات شبيهة إلى حد ما بالتدريبات العسكرية، وتعلموا كيفية الزحف على الأرض، والقفز فوق العقبات. كما تدربوا في المستوى الأول على لكم وسائد، ثم واجه كل واحد زميله كجزء من «مناورة» تحاكي سيناريو تنفيذ اعتداء ضد فلسطينيين أو صد هجومهم. أما الجزء الآخر في الدورة، فكان تعلم العربية، والاستعداد لمواقف قد يتحدثون فيها مع الفلسطينيين.
في السياق، أشارت «يديعوت» إلى أن رئيس المنظمة بنتسي غوبنشطاين، أشرف شخصياً على إدارة مشروع «ضد العرب» (أكانوا مسلمين أم مسيحيين). كما نقلت قوله إن «الهدف من التدريب هو إعداد جيل عسكري ما قبل الانضمام إلى الجندية، للقيام بواجبات مفيدة من أجل المجتمع الإسرائيلي، وتذويت مفاهيم حب الأرض».
و«ليهافا»، التي تنشط لمنع الاختلاط بين اليهود و«الأغيار»، قدمت دروساً بالعربية للمتدربين الصغار، وذلك لتحقيق أهداف معينة لم تكشف عنها.
أحد المنتسبين إلى المعسكر، قال إنه «تعلم كيفيه مواجهة شاب عربي يصادق شابة يهودية»، موضحاً أنه صار يجيد القول: «أعطني رقم هاتف أختك» بالعربية، وذلك كي يفهم الشاب العربي أنه إذا استمر في مصادقة اليهودية، فإن أخته قد تتعرض للمثل.
بعد الانتهاء من دروس اللغة، قدم المحامي إيتمار بنغفير من منظمة «فتية التلال» محاضرات حول طرق الصمود خلال التحقيق لدى الشرطة و«الشاباك»، كما قدم، نوعام فيدرمان من المنظمة نفسها (كان معاقباً بالإقامة الجبرية لمدة تسعة أشهر) محاضرات حول كيفية التعامل مع تحقيقات الجهازين في حال الاعتقال.
وأشار فيدرمان إلى أن التحقيقات لدى الشرطة «لعب أطفال»، مقارنة بتحقيقات «الشاباك» (العدد ٢٧٥٧ في ٤ كانون الأول ٢٠١٥)، التي رأى أنها أصعب بكثير، لأنه في تحقيقات الشرطة يستطيع المشتبه فيه التزام الصمت، ثم يطلب المحققون تمديد الاعتقال، وفي النهاية يعجزون عن نيل اعتراف فيخلون سبيله. أما «الشاباك»، فلديه أساليب أكثر صعوبة يستطيع بها الحصول على اعترافات المتهمين.
فيدرمان أعطى مثالاً مستعيناً بتجربة زميل له أخفق في الصمود أثناء التحقيق، كان قد اعتقل بتهمة حيازة مواد متفجرة، قائلاً للمتدربين: «كان على زميلي يتسحاق أن يقول للمحققين إنه وجد المواد المتفجرة على أحد الأرصفة، وأنه كان في طريقه لتسليمها والإبلاغ عنها قبل اعتقاله»، موضحاً أن هدف الإرشادات هو تعجيز محققي «الشاباك» عن استخراج معلومات من المشتبهين بارتكاب جرائم بحق الفلسطينيين، مثلما حدث مع المشتبه بحرق عائلة الدوابشة.
كذلك نقلت الصحيفة عن فيدرمان قوله: «في إطار تحقيقات، دوما كنا نعلم أن هناك شاباً سيعتقل، هذا الأخير قد صرح أمامي بأنه لن يتحدث مع محققي الشاباك ولو حتى بكلمة واحدة صغيرة. وبعد أيام من اعتقاله والتحقيق معه قال كل شيء لديه». وأردف مخاطبا «فتية التلال»: «يجب أن تضعوا لأنفسكم سقفاً يكون بإمكانكم الصمود فيه»، مدعيا بأن المعسكر الذي أنشأته المنظمة «قانوني وخالٍ من السلاح، وأن الشبان الإسرائيليين يأتون إلى هنا للحفاظ على الكرامة اليهودية».