قبل أيام، أصدر الرئيس المستقيل قراراً رئاسياً قضى في جزء منه بتعيين «الشيخ محمد بن ناجي بن عبد العزيز الشايف، والشيخ حسين بن عبد الله بن حسين الأحمر مستشارين لرئيس الجمهورية». يمكن من خلال هذا القرار الدخول في محاولة لفهم الآلية التي يسير عليها هذا «الرئيس» في إصدار تلك القرارات التي صارت تحيّر حتّى أنصاره من الذين كانوا يعتقدون أن هادي سيكون جزءاً من الحل، لكنهم مع كل قرار جديد له يقعون في مأزق تفسير الكيفية التي يصدر عبرها هذا النائب السابق قراراته.

وبداية، قد ينبغي توضيح انقسام تلك القرارات إلى شقين: واحد منها يتقمّص هادي خلالها دور «الرئيس» على نحو يتماهى معه بشكل كامل، وهو يعلم في قرارة نفسه أنه مجرد وسيط يمارس رغبات وليّ وليّ العهد السعودي محمّد بن سلمان وينطق بها. وهي القرارات التي يرى هذا الأخير أنها ستُسهم بتسريع عجلة «عاطفة الحزم» المتعثرة. في هذا السياق أتى قرار تعيين علي محسن الأحمر نائباً لرئيس الجمهورية كوسيلة لجذب قبائل الشمال التي كانت على علاقة جيّدة بالأحمر، وفي اعتقاد وليّ وليّ العهد، أن هذا الأمر سيسهل عملية اجتياح صنعاء. ولا يبتعد كل هذا عن القرار الرئاسي الأخير بتعيين الشيخين محمّد الشايف وحسين الأحمر، فالأول هو نجل شيخ مشائخ قبائل بكيل ناجي الشايف، والثاني نجل للشيخ الراحل عبد الله الأحمر، شيخ مشائخ حاشد، وهما أكبر قبيلتين في اليمن، كما كانا في الوقت نفسه رجلي السعودية البارزين في اليمن منذ أكثر من أربعين سنة ماضية.

تتّسم بعض تعيينات الرئيس المستقيل الأخيرة بالعبثيّة والمزاجيّة

ولعل في جملة هذه القرارات إشارة واضحة إلى حقيقة عدم تدخّل هادي في إعلانها، وهي تأتي على نحو مُعاد تماماً لمواطني المحافظات الجنوبية الذين ما زالوا يتذكرون قيادة علي محسن الأحمر لهذه القبائل في عملية اجتياح الجنوب في حرب صيف 1994. كذلك فإن شباب المحافظات الشمالية ما خرجوا في «ربيع 2011» إلا للثورة على هذه الزعامات القبلية نفسها. لكن لا يحضر كل هذا في تفكير محمّد بن سلمان الذي يريد تحريك عجلة «عاصفة الحزم» واجتياح صنعاء بأي طريقة كانت، ولايهمّه أمر الانشقاقات التي ستحدث جرّاء تلك القرارات الضاربة في قلب الجماعات التي لا تزال تُناصر هادي. ويمكن التنويه هنا بتلك العودة التي سجّلها يحيى العراسي وانضمامه إلى فريق علي عبد الله صالح، وقد كان العراسي لسنوات طويلة اليد اليمنى والسكرتير الشخصي لعبد منصور هادي، وهو الأمر الذي أجبر هذا الأخير على إصدار بيان عبر مكتبه يقول إن العراسي لم يعد يشغل منصباً في دائرة رئاسة الجمهورية.
على الضفة الأخرى من تلك المهمّة الرئاسية الوحيدة يقيم القسم الباقي من جملة القرارات التي يتكفّل بها هادي وتستقر في خانة قدرته على اقتراح أسماء وزراء عُرفوا بإعلان عدائهم الصريح للرئيس السابق علي صالح وضمهم إلى كتيبته الدفاعية المُقيمة في الرياض، وهؤلاء من جهتهم يعينون أبناءهم وأقاربهم في الوزارات الواقعة تحت سيطرتهم. إلى هؤلاء، يتفرغ هادي تماماً لمهمة إصدار قرارات لمناصب أدنى، نوّاب وزراء وسفراء ومستشارين في سفارات اليمن بالخارج. وهذه الأخيرة استأثر بها وعلى نحو واضح مقربون من جناح الإخوان المسلمين أو التجمع اليمني للإصلاح الذي تحكم قيادته سيطرتها على مكتب هادي في الرياض من طريق القيادي الإخواني القديم نصر طه مصطفى الذي صار يشغل منصب المستشار الإعلامي لهادي وهو الذي نجح قبل أيّام بدفع اسمه شقيقه محمّد طه مصطفى ليصبح سفيراً لليمن لدى بلجيكا ومفوضاً لدى الاتحاد الأوروبي، وقد أتى هذا القرار ضمن قائمة طويلة بلغت نحو 25 تعييناً شملت شخصيات مُقرّبة من هادي مثل رياض ياسين سفيراً لليمن لدى فرنسا، وقد كان العنصر الأقرب لهادي من بداية إقامته السعودية، وشغل منصبي الصحة والخارجية، وشخصيات كانت شديدة القرب من الرئيس السابق صالح، مثل يحيى الشعيبي، ونال مهمة سفير في ألمانيا.
وعلى الرغم من العبثية والمزاجية التي اتسمت بها قرارات هادي الأخيرة لكونها لم تحترم حتى المستوى الأدنى من معايير الوظيفة الديبلوماسية، فإن قيامه بتعيين ناشطة شابّة كسفيرة في هولندا كان القرار الذي نال نصيباً كبيراً من الانتقاد والسخرية في آن واحد، حتّى من جهة مناصري هادي، وذلك نظراً إلى حداثة سنّ الشخصية المُعيّنة، فهي متخرِّجة حديثة من تعليمها الجامعي وفي تخصص علوم حاسوب، إضافة إلى كونها لا تشغل أي وظيفة حكومية في الدولة. وبحسب مصادر قريبة من المكتب الرئاسي في الرياض، فإنّ ذلك التعيين قد جاء كونها زوجة لشخصية مُقرّبة من هادي الذي منحه ذلك القرار تقديراً له، لخدماته طوال الفترة الماضية.
مع ذلك سيكون من اليسير فهم حالة التكالب على تلك المناصب حين نعلم أن راتب الوزير يبدأ من 7000 دولار والنائب 5000 دولار، فيما يأخذ وكيل الوزير نحو 4500 دولار، وكل هذه الفلوس تخرج من الصندوق السعودي، لكن إلى متى!