حاول وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، إظهار أنه تراجع عما نُسب إليه من أنه لن ينفذ أي صفقة تبادل مع حركة «حماس» بشأن الأسرى، ما يوحي فعليا بحجم الضغوط الفعلية التي تواجهها القيادة السياسية في أي عملية تفاوض مستقبلية. وكشف هذا التحول عن حقيقة أن القيادات السياسية الإسرائيلية مهما ارتفع سقفها، تبقى في بعض القضايا أسيرة للجمهور، تحديداً عندما يتعلق الأمر بقضية مثل قضية الجنديين الأسيرين ــ على الأقل ــ لدى «حماس»، خلال العدوان الأخير على قطاع غزة، قبل سنتين.

ومع أن مصلحة إسرائيل قد تكمن في الضغط النفسي على الطرف الفلسطيني المقاوم، عبر دفعها إلى التراجع عن سقفها التفاوضي عبر إظهار اللامبالاة إزاء أسرى ترى إسرائيل أنهم قتلى، فإن ردّ فعل العائلات بفعل التسريب الإعلامي كان أقوى من هذا الاعتبار، وهو ما دفع ليبرمان إلى محاولة طمأنة العائلات في رسالة موجهة إلى الجمهور الإسرائيلي أيضاً.

رأى ليبرمان أن «فساد عباس عقبة أمام تحسن الاقتصاد الفلسطيني»

مع ذلك، يلاحظ أن وزير الأمن تحدث بلغة عامة جداً، عندما أكد أن الجيش «ملتزم بشكل مطلق لكل من يقع في الأسر»، وأن «واجبنا هو استعادتهم». وغمز لجهة أن الحديث العلني قد يكون مضراً، فضلاً عن أن التكتيك التفاوضي قد يتطلب تصلباً عبر تأكيد أن «الحديث بهذا الشأن يصعّب هذه المهمة، وأن من الأفضل التزام الصمت».
وفي محاولة لتأكيد صحة موقفه من عمليات التبادل السابقة، لفت ليبرمان إلى أن نتائج صفقة شاليط أثبتت أنه «كان على حق، وأن عدداً من الأسرى الفلسطينيين الذين أطلق سراحهم عادوا إلى الإرهاب في مواقع قيادية، وشاركوا في عمليات إرهابية». وعلى هذه الخلفية، جمع في موقفه بين حدّين: «الثبات على موقفه، والتزام استعادة الجثث والأسرى».
تأتي هذه الردود بعدما سربت وسائل إعلام إسرائيلية مواقف لليبرمان أكد فيها خلال جلسة مغلقة، أنه غير معني باستعادة الجنديين الأسيرين، ولن يوافق على صفقة تبادل مع «حماس». ويبدو أن البيان الذي صدر عن مكتبه لم يكف لتهدأ عائلات الجنود، الأمر الذي دفعه إلى الإدلاء بهذا الحديث.
على خط موازٍ، يواصل ليبرمان نهجه السياسي القائم على تجاهل السلطة الفلسطينية، في أي ترتيبات أمنية أو سياسية، وكجزء من محاولة شرعنة خياره السياسي، اتهم السلطة بأنها «نظام فساد». وأضاف في هيئات مغلقة، كما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية، أن «الفساد الاقتصادي الذي يقوده عباس والمقربون منه هو العقبة الأساسية أمام تحسن الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية». ولتبرير الالتفاف على السلطة، عبر التواصل المباشر مع شخصيات فلسطينية، رأى أيضاً أن «من المهم لرجال الأعمال في السلطة أن يذهب عباس، لكونه يقوم بتفعيل نظام فساد يحيط بكل شيء».
وكجزء من سياسة رمي كرة المسؤولية على رام الله، متجاوزاً سياسة العقاب الجماعي الذي تمارسه إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني في الضفة، رأى ليبرمان أن «إسرائيل ليست بحاجة لأن تعمل من أجل إنهاء سلطة عباس، ولكنها يجب ألّا تحمّل نفسها المسؤولية عن الوضع الذي نشأ في الأراضي الفلسطينية. وطالما استمرت هذه الإدارة الفاسدة وعدم فعالية السلطة فإن الوضع الاقتصادي لن يتحسن». وأضاف: «عباس لا يقوم بزيارات لمدن شمال الضفة، مثل جنين ونابلس، ويفضل الزيارات السياسية خارج البلاد».
وكان ليبرمان قد عرض خلال لقاء قبل أسبوعين مع مراسلين عسكريين، خطته «لتغيير سياسة جهاز الأمن في الضفة»، التي وصفت بأنها «سياسة العصا والجزر»، وتتمثل في تسهيلات للمناطق التي يسودها هدوء أمني، وخطوات عقابية ضد البلدات التي يخرج منها منفذو عمليات ضد أهداف إسرائيلية. وفي اللقاء نفسه، قال إنه ينوي المبادرة إلى عقد لقاءات مع رجال أعمال وسياسيين فلسطينيين، وذلك بهدف «وضع أساس لمسار يتجاوز عباس، ويتيح لإسرائيل أن تجري مناقشات مع سكان الضفة مباشرة بشأن وضعهم».