ما هو الموقف الإسرائيلي من التدخل العسكري التركي المباشر في سوريا؟ ما هي هواجس تل أبيب ومدعاة قلقها؟ وهل يدفع واقع «ضياع الفرصة» وإرباك الأميركيين كي تتحرك لإعادة تشكيل المشهد السوري بما يتوافق مع مصالحها وتطلعاتها، أم ستكتفي للتعذر، بتأدية دور المتلقي ومشاهدة الحلفاء يتعثرون؟

الضابطة الإسرائيلية الحاكمة لموقف تل أبيب تجاه تطورات الحرب واتجاهاتها في سوريا، متسمّرة منذ بدء الأزمة، نحو منع، أو تمني منع، تهديد محور المقاومة. هذا الموقف تحرك خلال سنوات الحرب بين الترحيب بأي تطور يضغط على سوريا وإيران وحزب الله، وبين التعبير عن الاستياء والقلق، تجاه أي نجاح يحققه الأعداء.
ضمن هذه الضابطة، لا تخفي إسرائيل موقفها من ضرورة إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، كذلك لا تخفي أيضاً إمكان التعايش مع أي تهديد يتشكل في أعقاب السقوط، مهما وصلت مستوياته، قياساً بالتهديد الذي يشكّله بقاء الأسد وحلفائه. من هنا، يأتي موقفها الداعي إلى الكفّ عن محاربة «داعش» وضرورة مواصلة استخدام هذا التنظيم كأداة ووسيلة قتالية بالوكالة لمحاربة المحور المعادي. لا تخفي تل أبيب موقفها الداعي إلى تفتيت سوريا إلى دويلات، ما دام لم يعد بالإمكان الاستيلاء الكامل عليها. وهي دويلات تتيح لها التحالف مع بعضها، واستغلالها في محاربة أعدائها ومشاغلتهم... ما دون اجتثاث تهديد الأسد وحلفائه، قد ترضى إسرائيل بحرب طويلة لا نهاية لها للحدّ من تهديده، وإلا فلا مصلحة لديها لإنهاء الحرب.

لا تخفي تل أبيب موقفها الداعي إلى تفتيت سوريا إلى دويلات

إسرائيل، الدولة التي اعتادت في الماضي أن تفرض إرادتها على المنطقة من خلال تفعيل خياراتها العسكرية، أو حتى مجرد التهديد بها، تجد نفسها جهة متلقية نتائج الحرب في سوريا، دون القدرة الفعلية والحاسمة على تشكيل هذه النتائج. تهلل للفرص المتشكلة في الساحة السورية، وتقلق من التهديدات، في ساحة يتقلب فيها تموضع الفرص والتهديدات، بشكل متواصل ومستمر بلا استقرار.
آخر تطور في سوريا، هو التدخل العسكري التركي المباشر، الناتج من مزاحمة المصالح ضمن المحور الأميركي، الأمر الذي من شأنه عرقلة الاستراتيجية الأميركية في قضم مناطق سيطرة «داعش»، وإمكان تحقيق أولى التطلعات الإسرائيلية للساحة السورية: دويلتان سنية وكردية، في شمال سوريا وشرقها، أولى الدويلات المتشكلة في مسار تفتيت سوريا، السيناريو الأكثر ترحيباً في تل أبيب، بعد تعذر إسقاط الأسد والسيطرة الكاملة على سوريا.
بطبيعة الحال، لن يتصدى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ليعبّر عن سخطه من تعقيدات الساحة السورية وعرقلة الاستراتيجية الأميركية فيها، بعد التدخل التركي في سوريا، كذلك لن ينبري للتحسر على ما آلت اليه الأمور من تضارب للمصالح بين الحلفاء وضياع الفرص التي كادت تتحقق، رغم أنّه صدرت عنه في الماضي إشارات واضحة إلى ضرورة تفتيت سوريا. لكن من شأن الإعلام العبري أن يتصدى للمهمة.
معلق الشؤون العسكرية في صحيفة «يديعوت أحرونوت» أليكس فيشمان، المقرّب من طاولة القرار في تل أبيب والمعروف بصلاته الوثيقة بالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، كتب «محللاً» الأوضاع في سوريا وتطوراتها الاخيرة، ومعبّراً من خلال التحليل، عن سخط على السياسة الأميركية ورعونة الادارة في واشنطن محملاً إياها المسؤولية عمّا آلت إليه الأمور في سوريا و«ضياع الفرص».
يشير فيشمان إلى أنّ «الأميركيين يبيعون الكرد للأتراك، وهذه هي مهزلة من المهازل التي تنتهجها سياسة واشنطن الخارجية، وعلى إسرائيل أن تتعوّد أن حليفها الأكبر، يستهتر بمصالحها في الشرق الأوسط»، لافتاً إلى أن «الأخطاء الأميركية ستقود إلى تقويض السياسة الغربية الرامية إلى التعاون مع الأقليات في سوريا». وقال أيضاً إنّ «الكرد والدروز، الذين هم أكبر أقليتين في سوريا إلى جانب جماعات عرقية ودينية تطالب بالحكم الذاتي (وهو يتوافق) مع استراتيجية الأقليات التي تدعمها إسرائيل وهي تنبع من الافتراض أن تفكك سوريا سيحدّ من السيطرة الإيرانية – الشيعية عليها، ومن شأن ذلك أن يبعد التهديد الرئيسي عن إسرائيل».
يضيف فيشمان: حاولت إسرائيل تنسيق موقفها مع الروس والأميركيين حول سوريا، وعلى أعلى المستويات. لم تكن لديها توقعات خاصة من الروس، لكن مجرد إصغاء موسكو يعدّ إنجازاً. أما لجهة واشنطن، فيتضح أن الاتفاق النووي مع إيران ليس استثناءً، وهي (واشنطن) لا تعير اهتماماً لإسرائيل ولا لرئيس وزرائها ولا لوزارة خارجيتها وكذلك لوزير أمنها (أفيغدور) ليبرمان، و«علينا الاعتراف بأننا لا نملك الوسيلة للوصول إلى البيت الأبيض، حيث الأميركيون يتجاهلون المصالح الإسرائيلية».
وتعبيراً عن السخط من الموقف الأميركي المتخلي عن الكرد، يشير فيشمان إلى أن «الأميركيين ينظرون إلى الكرد السوريين كوقود للحرب بدلاً من القوات البرية الأميركية، لكن تطلب من (الرئيس الأميركي باراك) أوباما عاماً كاملاً كي يمنحهم أسلحة ليواصلوا خدمة المصالح الأميركية ضد داعش، والخيار الكردي كان محل ترحيب في إسرئيل، وتحديداً خيار إقامة حكم ذاتي كردي في سوريا بدعم أميركي، لكن الاتجاه حالياً تغيّر».
تضيف المقالة: توصل الأتراك والروس إلى تفاهم على إبقاء الأسد مؤقتاً في سوريا. وللأسف، انضم الأميركيون إلى الاحتفال الروسي ــ التركي، وهو يعني بالنسبة إلى إسرائيل «موافقة أميركية على استمرار حكم الأسد، مؤقتاً، وتوطيد وجود إيران وحزب الله في سوريا، تمهيداً للتسوية المستقبلية في البلاد». تنظر إسرائيل بقلق إلى كيفية قيادة الأميركيين استراتيجياتهم في سوريا، التي ستفضي إلى الأسوأ: بقاء الأسد في السلطة، والإيرانيون كذلك في مرتفعات الجولان.