ما أشبه الأمس باليوم لدى السلطة الفلسطينية التي تأسست على اتفاق تسوية مع إسرائيل. سيناريو خصومة الرئيس الراحل ياسر عرفات مع خليفته محمود عباس يكرر نفسه. في تلك الأيام (2004)، بادرت «اللجنة المركزية لحركة فتح» إلى إنجاز مصالحة بين عرفات وعباس. رضخ الأول نتيجة الضغوط الأميركية والعربية، وصار عباس جزءاً من المشهد السياسي الفلسطيني. وفي ذلك الوقت أيضاً، كان دحلان حليفاً لعباس في قيادة ما اصطلح على تسميته «التيار الإصلاحي» داخل السلطة.

اليوم، يبدو أن الضغوط نفسها يتعرض لها عباس لإعادة دحلان إلى واجهة المشهد السياسي، خصوصاً أن الأول فقد زمام السيطرة على الملف الفلسطيني بصورة شبه كاملة، والشواهد على ذلك كثيرة. جل التقارير الإخبارية الاسرائيلية تتحدث عن فقدان «أبو مازن» القدرة على مقاومة ضغوط كل من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ودولة الإمارات، من أجل إنجاز مصالحة مع دحلان، وهو ما لمّح إليه رئيس حكومة التوافق، رامي الحمدالله، حينما اشتكى، في تصريحات قبل أيام، من غياب وفاء الإمارات بالتزاماتها المالية تجاه السلطة منذ أكثر من خمس سنوات هي عمر خصومة الرجلين.
وتتلاقى التقارير الإسرائيلية مع تصريحات مستشار عباس للشؤون السياسية، نمر حماد، التي كشف فيها عن ضغوط تمارس من دول عربية لإلغاء انتخابات المجالس المحلية، مضيفاً أن تلك الدول هدّدت بوقف الدعم المالي للسلطة في حال إصرارها على إجراء الانتخابات، والسبب في ذلك أن «فتح» غير جاهزة من وجهة نظرهم لخوضها، ما يعني إمكانية «انتصار حماس» التي تطمح إلى أن تكون هذه الانتخابات جسر وصول رسمي إلى الضفة.

ما يهم عباس الحفاظ على مصالح أبنائه وأحفاده حتى لو بضمان دحلان

ورغم نفي بعض أعضاء «مركزية فتح» (الكارهين لمحمد دحلان والرافضين لعودته)، الأنباء المتداولة عن عودة وشيكة نهاية العام الجاري لـ«أبو فادي» إلى رام الله، فإن مؤشرات عدة تؤكد أن سيناريو خلافة دحلان لعباس ليس مستحيلاً، خاصة أن الأخير قرر عبر «المركزية» إعادة 13 قيادياً مفصولاً إلى صفوف الحركة، بينهم سفيان أبو زايدة، وناصر جمعة، وعبد الحميد المصري، وماجد أبو شمالة، ومحمود عيسى (اللينو)، وآخرين، هم أسماء لامعة في السجل الدحلاني.
ويتصدر قائمة النافين لهذه المصالحة كلّ من الطيب عبد الرحيم وحسين الشيخ وسلطان أبو العينين وماجد فرج وجبريل الرجوب، وكل منهم له حساباته الخاصة مع دحلان من موقعه السابق أو الحالي في السلطة. على عكس أقوالهم، تؤكد مصادر خاصة في الحركة تراجع عباس و"المركزية" عن الإجراءت التي اتخذوها بحق عدد من القيادات المحسوبة على دحلان، وأن هذه الخطوة "استجابة للمبادرة العربية لرأب الصدع داخل فتح، وإنجاز مصالحة شاملة".
المصادر ذاتها كشفت أيضاً أن تجاوب عباس مع هذه المساعي هو مقدمة لبرنامج وضعته المبادرة المذكورة سيفضي إلى إقفال ملف الخلاف نهائياً، بما يشمل عودة دحلان إلى رام الله قبل نهاية العام، بصفته قيادياً في "فتح"، ونائباً في المجلس التشريعي، لكنه لن يعود إلى موقعه السابق كعضو في "اللجنة المركزية".
قبل ظهور هذه المعلومات على السطح، ظهرت مؤشرات أوحت بأن الضغوط المصرية ــ الإماراتية، التي انضمت إليها مؤخراً الأردنية والسعودية، باتت تؤتي أكلها؛ فالمتتبّع لملف انتخابات المجالس المحلية الفلسطينية يستطيع أن يستنبط الدلائل على مصالحة وشيكة بين الرجلين، تجسدت في وحدة قوائم "فتح" في قطاع غزة، حيث الصدامات عنيفة بين أنصار الرجلين، كذلك تجنّب أنصار دحلان تشكيل قوائم منفصلة عن الحركة.
قبيل هذا الإعلان، كان وفد رئاسي مصري قد زار رام الله الأسبوع الماضي، حاملاً رسالة من الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى عباس، تتضمن رؤية مصر لتسوية الخلافات داخل "فتح"، وإنهاء الانقسام بينها وبين "حماس"، إضافة إلى الدفع باتجاه استئناف التسوية مع العدو على أساس "مبادرة السلام العربية"، وليس مصادفة أن يكون بعد هذا اللقاء خمسة من أعضاء "المركزية" موجودين بالتزامن في القاهرة وعمان.
ويبدو أن خشية مصر من هيمنة قطر وتركيا على المشهد الفلسطيني يدفعها أكثر إلى الضغط على عباس بقبول المصالحة مع خصمه دحلان؛ فالقاهرة تنظر بعين القلق إلى التقارب التركي ــ الإسرائيلي مع بقاء مبادرات السيسي قيد الانتظار.
في المقابل، يخشى الأردن خروج الأوضاع في الضفة المحتلة عن السيطرة بعد رحيل عباس عن السلطة، وحالة الفراغ السياسي التي ستحدث في ظل الصراع المحتدم بين خلفائه على كرسي الحكم، وقد يتطور بسهولة ليصير صراعاً دموياً مسلحاً، على غرار الاشتباكات التي شهدتها مدينة نابلس، شمالي الضفة، بين مسلحين محسوبين على "فتح" وأجهزة أمن السلطة، وراح ضحيتها خمسة أشخاص.
أما عباس، فلديه من الأسباب ما يكفي ليذهب مرغماً إلى مصالحة مع دحلان، لأنه محاط بالطامعين المتناحرين على خلافته من جهة، ومن جهة أخرى يخطط العدو لفتح خطوط اتصال مع شخصيات أكاديمية ورجال أعمال فلسطينيين سعياً إلى تجاوز السلطة ورئيسها، وهو الأمر الذي أعلنه صراحة وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، قبل أيام، علماً بأنه على صداقة أيضاً مع دحلان.
وفي ظل حالة التراخي التي تعيشها السلطة ما بين سيطرة "حماس" القوية على القطاع، وصراع النفوذ على الأرض في الضفة، لم يبقَ لرئيس السلطة خيارات إلا شخص بقوة دحلان. ولكن ما يهم عباس هنا أن تبقى مصالح أبنائه وأحفاده بمنأى عن الملاحقة، وألا يهمّش التيار «العباسي» من بعده، على غرار ما فعله هو بالعرفاتيين بعد تولّيه الحكم.