سياسات اقتصادية جديدة تسجلها القوات المسلحة المصرية. الجيش يرغب في التأثير في الحياة الاقتصادية للمصريين عبر مؤسساته المختلفة التي صارت تقوم بدور الوزارات في حل الأزمات، في رغبة واضحة لخلق صورة إيجابية لدى المواطنين البسطاء، بالإضافة إلى امتلاك عوامل ضغط على أي رئيس مدني قد يأتي في انتخابات ديموقراطية في الاستحقاقات المقبلة، رغم صعوبة تحقق هذا السيناريو قريبا.
تسلمت القوات المسلحة الإشراف على منظومة الدعم الخاصة بالسلع

تقلبات السياسة المصرية وتغير انطباعات الناس سريعاً وكذلك تغير ميولهم، كلها عوامل جعلت المؤسسة العسكرية تلجأ إلى التعامل بخطط بديلة، عبر تصعيد قياداتها ومنحهم فرصة الظهور الإعلامي بعدة طرق، منها وجودهم إلى جوار الرئيس دوما، كما يحدث مع رئيس «الهيئة الهندسية» اللواء كامل الوزيري، أو بصورة منفردة كظهور شخصي لبعض القيادات إعلامياً.
والملاحظ أن حضور القيادات إلى جوار عبد الفتاح السيسي والتوسع بهذا الأسلوب على عكس ما كان يحدث خلال حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك. أما رسالة الظهور الدائم للقيادات إعلامياً، فتكون مصحوبة دائماً بالحديث عن إنجازات الجيش تحت رعاية السيسي.
خلال العامين الماضيين، تدخل الجيش للسيطرة على مشروعات يجري تنفيذها من بينها الإسكان وحفر قناة السويس بالإضافة إلى عمليات الاستيراد عبر قطاعات الجيش المختلفة التي كانت تنفذ سابقا عمليات محدودة اقتصادياً لمصلحة القوات المسلحة فحسب، مع توفير بعض احتياجات السوق عبر المنافذ المحدودة للجيش. لكن الشهور الأخيرة شهدت زيادة كبيرة في تدخل الجيش حتى صار دور القطاعات المختلفة ينافس دور الوزارات، وهو الذي فسرته الرئاسة عبر مصادر عدة باعتباره «محاولة للتغلب على الروتين والإجراءات الحكومية التي تعرقل تنفيذ النهضة التي يرغب في تحقيقها الرئيس»، لكن السبب الأكثر دقة هو الرغبة في احتكار الجيش جميع الأنشطة ليكون محرك مفاصل الدولة، كما ترى غالبية المراقبين.
ما يسهل عمل الجيش أن الدولة تعاني تضخما في جهازها الإداري وصعوبة في التخلص من العقبات الاستثمارية حتى الآن، برغم وجود برلمان يمرر جميع القوانين التي ترغب فيها الحكومة، لكن يبدو أن الجيش لا يرغب في ذلك إلا بعد التأكد من قدرته على السيطرة على جميع المناطق الاستثمارية التي سيكون على رأس إدارتها المحلية محافظون عسكريون. وتتضح هذه القضية مع دخول الجيش طرفاً استثماريا في غالبية المشاريع عن طريق الشراكة مع المستثمرين أو تمهيد الطرق وتحصيل إيرادات المرور عليها، وهو ما تكرر بصورة كبيرة مؤخرا.
الأسوأ من ذلك أن السيسي وإدارته أقصيا وزارات الإسكان والنقل وغيرها من الجهات عن المشاريع التي تنفذ، مسندين إياها مباشرة إلى الجيش، الذي بدأ مؤخرا التدخل في التجارة الداخلية في محاولة منه للسيطرة على ارتفاع الأسعار نتيجة انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار الأميركي.
كذلك، تسلم الجيش الإشراف على منظومة الدعم الخاصة بالسلع، وهي خطوة كانت مفاجئة في ظل محدودية الفساد في هذه المنظومة مقارنة بالأنظمة الأخرى للدعم. وجاء تدخل الجيش لتسويق عبوات لبن الأطفال وتوفيرها للمواطنين كبديل عن وزارة الصحة التي تسعى إلى تقليص الدعم الموجه إلى الألبان (راجع عدد الأمس)، كما تتهم الوزارة أصحاب الصيدليات بالتلاعب في العبوات المدعمة وبيعها لمحلات الحلويات. وتدخل الجيش أثر أيضا في وضع الشركة المسؤولة عن توزيع اللبن المدعم، التي تعاني تضييقا خانقا على عمليات الاستيراد بعد زيادة نصيب الجيش في الكميات المستوردة.
النشاط الاقتصادي للقوات المسلحة لا يزيد فقط حجم أرباحها سنوياً، ولكن يزيد ايضا حضورها الداخلي اقتصادياً، فتوزيع الألبان واللحوم والجبن والمعكرونة عبر الجيش يحمل أرباحا كبيرة، وخاصة أن جميع ما يقوم الجيش باستيراده معفى من الضرائب، فيما يستخدم الآن السيارات المدنية لتوزيع الطعام في كرافانات وسيارات معفاة من الجمارك والضرائب ويعمل عليها مجندون يقضون تجنيدهم بأقل من 100 دولار شهريا. كما لا تدفع القوات المسلحة أي رسوم لاستئجار الأماكن في الوقوف والبيع للمواطنين، الأمر الذي يمكن الجيش من توفير 50% من قيمة السلع، في مقابل تخفيض لا يزيد عن 25% مقارنة بالأسعار السوقية، وهي معادلة صعبة بالنسبة إلى التجار في ظل زيادة أسعار الإيجارات والكهرباء والمياه وضغوط العاملين لزيادة أجورهم.