قبل عامين، وفي مدرسة "الشهداء" الحكومية، الواقعة في منطقة "الشعف" الحدودية، التابعة لحي "التفاح" في مدينة غزة، وقعت حادثة غريبة بحق، عقب انتهاء العدوان الإسرائيلي على غزة عام ألفين وأربعة عشر بعدة أيام: كانت مباني المدرسة مهدمة. البيوت التي حولها عبارة عن أكوام من الركام والغبار والذكريات القتيلة، لدرجة أن السكان لم يعرفوا مواقع بيوتهم أين وكيف كانت في السابق.

عند الساعة السادسة والنصف صباحاً، تجمع بضع عشرات من الأطفال، في خليط غريب من أعمار متباينة، وهم يرتدون الزي المدرسي، بعضهم يرافقه بعض أفراد أسرته، والبعض الآخر جاء وحيداً. كان يوم الدخول المدرسي الأول لهذا العام في مختلف المدارس الفلسطينية. لم ترغب إدارة المدرسة أن يتخلفوا عن الركب رغم الدمار الهائل الذي أحاق بمدرستهم.
همست أم لأحد الأساتذة وهي توصل ابنها إلى باب المدرسة: "إنه لم يستوعب موضوع فراقه لوالده حتى الآن. هبطت علينا قذيفة ونحن نيام وقتها.. الباقي أنتم تعرفونه".
كان جل المدرسة مهدماً ولم يبق فيها سوى قاعات دراسية محدودة. حضر عدد محدود من المدرسين، يرافقهم مدير المدرسة المسن، الذي كان على وشك بلوغ سن التقاعد، بقامته المهيبة وملامحه الجادة. سأل تلميذ أحد المدرسين: "أين سندرس؟ في هذه المدرسة المهدمة؟! لا يوجد قاعات درس فعلياً يا أستاذ!!". مسح أستاذه على رأسه بهدوء. قال له مبتسماً: "للأسف سندرس هنا يا صغيري. لا يوجد مكان آخر يمكننا أن نلحقكم به في الدراسة. الكثير من المدارس ممتلئة عن آخرها بالنازحين. مدارس عدة تم تهديمها وينبغي أن ننتصر ضد مخطط أعدائنا: لقد أرادوا تهديم مدارسنا وتحطيم معنوياتنا كيلا نواصل مسيرتنا التعليمية. لكننا سنواصلها ليوم واحد هنا بشكل رمزي. اتفقنا؟".
عن غير اقتناع، أومأ الصبي بالموافقة. سأله أستاذه: "بالمناسبة: ألست أنت ابن الشهيد "أبو محمود" الذي يسكن بالقرب من بيتي في هذه المنطقة؟". أومأ الطفل مجدداً بالموافقة. قال له أستاذه: "رحم الله أباك. كان رجلاً من أفضل من عرفت. الآن موعد "طابور الصباح". خذ مكانك بين زملائك يا صغيري".
لم يكن من يقوم بتولي طابور الصباح الأستاذ "خالد"، مدرس مادة التربية البدنية، بل قام بها هذه المرة على غير العادة زميله "رشيد"، أستاذ اللغة العربية بالمدرسة. كان صاحب صوت جهوري وهذا ما ساعده في ظل انعدام وجود مكبر للصوت. صاح آمراً صفوف التلاميذ المحدودة: "انتباه! نظموا صفوفكم جيداً ولتكن هذه الصفوف مستقيمة. فلتكن المسافة بين كل تلميذ وزميله على امتداد ذراعه". امتثل التلاميذ للأمر الذي اعتادوا عليه. أكمل الأستاذ: "أماماً مد". مد التلاميذ أيديهم للأمام. "عالياً رَفْع!". ارتفعت الأيدي الصغيرة إلى أقصى ارتفاع لها. "جانباً ضع. أسفل خفض!". كانوا قد اعتادوا على رتابة الأمر، فراحوا يستجيبون للأوامر بلا حماس. قال الأستاذ خالد: "والآن: مع السلام الوطني الفلسطيني.. سيكون بلا موسيقى مسجلة على غير العادة. سنردد كلماته التي نحفظها جميعاً..". رددت الحناجر الفتية النشيد بتلقائية وسلاسة.
تقدم بعدها مدير المدرسة. تأمل الصفوف المتراصة أمامه ثم شَقَّت ابتسامة حانية طريقها وسط ملامحه الجادة. قال لهم بصوت حاول أن يكون جهورياً كي يسمعه الجميع: "لقد استشهد منا في الحرب الماضية ألفان وسبعة وأربعون شهيداً وشهيدة. ولقد جئنا اليوم كي نقول لأعدائنا بأننا رغم القصف والدمار سنواصل مشوارنا. لن نتوقف بإذن المولى وأسأل الله أن تكون الأجيال المقبلة أكثر قوة وجلداً منا في إكمالها طريقنا الوعرة نحو التحرير..".
تنحنح ووضع قبضة يده أمام فمه، قبل أن يخفضها وهو يكمل كلمته: "الآن، أرجو أن تساعدونا في نجاح هذا اليوم الرمزي. ستجلسون في باحات المدرسة المدمرة. ستكون هذه صفوفكم. وإنني أتقدم بالشكر الجزيل لكل من حضر منكم زملائي وأبنائي..". توقف لثوان وكأنه عاجز عن أن يجد الخاتمة المناسبة. غلبه التأثر ساعتها: " لو كنا أحياء لقلت: "وفقكم الله". والآن انطلقوا إلى دروسكم بنظام رجاء..".
جلس التلاميذ في مجموعات على الأرض أمام مدرسيهم، بحسب كل مرحلة دراسية. في الصف السادس، سأل طفل زميله بصوت هامس: "كيف استشهدت أنت؟". رد بذات الصوت: "بقذيفة ونحن نائمون. كان قصفاً عشوائياً وشديداً. جميع أفراد أسرتي استشهدوا باستثناء أختي الصغيرة. عمرها خمس سنوات. وأنت؟". رد الأول: "بقذيفة مدفعية أنا أيضاً. لقد تفتت جسدي بالكامل. استشهدتُ أنا ووالدتي ونحن نفر من منزلنا بسبب القصف الشديد. بقي والدي وبقية أخوتي أحياء. أردتُ أن أودع المدرسة للمرة الأخيرة مع أساتذتي وزملائي الشهداء في مدرستنا المدمرة، ولهذا أنا معكم..". سأله زميله مجدداً: "أهي أمك من أوصلتك إلى المدرسة اليوم؟". أومأ برأسه إيجاباً وهو يقول: "صحيح. لأنها تشفق على حالتي النفسية منذ أن استشهدنا سوية. خاصة وأنني كنتُ شديد التعلق بأبي ولا زلتُ أشتاق إليه..". قاطعهما صوت الأستاذ الصارم: "سكوت! أرجو المحافظة على الهدوء. والآن: بإمكان كل طفل منكم أن يحدثنا عن مأساته في الحرب. ما رأيكم؟". وافق الأطفال على الاقتراح، ليتتابعوا في رواية مآسيهم. التفت أحد الأطفال إلى زميله وهو يقول: "اشتقتُ لأصدقائي في عالم الأحياء". غمغم الآخر: "وأنا اشتقتُ لأسرتي..". انغمست فصول دراسية أخرى في أنشطة مختلفة: بعضهم مثلاً كان يمارس بعض الألعاب الجماعية بمرح ظاهر، فيما كان البعض الآخر ينشد بعض الأناشيد التي كانوا يستمتعون بها وهم أحياء، لتتبدل الأنشطة مع نهاية كل حصة دراسية. كل مجموعة انغمست فيما تفعله، إلى أن جاء الأستاذ "خالد" يقرع جرساً نحاسياً يفيد بانتهاء اليوم، وأن عليهم أن يصطفوا من جديد في "طابور المغادرة".
قال لهم مدير المدرسة: "أيها الشهداء: لقد أتممنا رسالتنا الآن ونستطيع المغادرة بإذن الله. رغم كل هذا الدمار استطاعت مدرستنا أن تبدأ السنة الدراسية أسوة ببقية المدارس الأخرى. لقد جئنا كي نقول للجميع وخاصة أعداءنا: إن أرواحنا لا زالت حية وإننا لم نستسلم. وداعاً..". تلاشت أرواح الأساتذة والمدير. خرجت بعدها أرواح التلاميذ الشهداء كعادتها في الحياة اليومية: تجري في مرح وصخب، فيما تعالت الضحكات والصيحات هنا وهناك، قبل أن تتلاشى هي الأخرى ليخيم الصمت من جديد على ركام المدرسة المدمرة.