لكانون سودة طقوس خاصة. تنتقي فحماته بنفسها، تضع الكبير منها في قعر الكانون بين الـ"سكن" (اي رماد الفحم) ثم تفتش عن الفحم الصغير الحجم ليتربع على وجه الكانون بعد إشعاله. كنا جميعاً نعرف أهمية المنقل بالنسبة إلى جدتي سودة. ففي أغلب المرات التي كنا نتواجد في الدار خلال الوقت الذي تحضّر فيه الكانون، كانت سودة لا تتردد في إخبارنا عن قصة هذا المنقل الغالي على قلبها. ولربما هي من القصص القليلة جداً التي تذكر فيها سودة شيئاً إيجابياً لا بل بطولياً لسيدي حيدر. فهما، كما تعلمون، ليسا على وفاق منذ أوائل الأربعينيات من القرن الماضي. وهي تنكر كل محاولة منه لإصلاح هذه العلاقة المضطربة دوماً والتي انتهت بشباك صغير يجمع بين غرفتيهما.

كنا نحب سماع خبرية المنقل لنسمع جدتي تتحدث عن سيدي وكيف ألحت عليه أن يأتي بالمنقل هذا من بيتهم في كويكات بعد أشهر من النكبة. ظلت تخبره عن علاقة الكانون بعائلتها وأنه من الأشياء القليلة التي بقيت لديها من جدها الكبير. وعدها خيراً ونفذ سيدي وعده في ليلة من ليالي تسلله إلى فلسطين. لأجل هذا كله، تحب سودة أن تعدّه بنفسها وأن تشوي عليه البطاطا الحلوة والكاستنا اللذيذة التي يحضرها عمي وتوزع علينا بعضاً منها.
ولأنها كانت هي صاحبة الكانون، كانت هي تحمل الملقط الحديدي بيدها وتقلب الجمرات بين الفينة والأخرى. كان ممنوعاً علينا أن نمسك الملقط أبداً. وهذا ما جعلنا نندهش عندما رأينا "صالحة" تمسك بالملقط بين أصابعها. كانت صالحة إحدى نساء المخيم التي استشهد زوجها في كويكات ليلة تهجيرهم من البلدة باتجاه لبنان. ولم يكن لديها أولاد، فكانت تتردد على دار سيدي كثيراً. ولم يكن يحلو لها في الشتاء إلا أن تمسك الملقط المشبوك على طرف الكانون وتحرك الجمرات أمام سودة. فنستغرب صمت جدتي عن هذا الفعل الذي لم يكن مسموحاً نهائياً. ولم تكن تحرك صالحة الجمرات مرة واحدة خلال زيارتها، بل رأيتها بعيني تفعل ذلك كل عشر دقائق تقريباً، حتى في إحدى المرات ضاق صدر سودة ونهرت بها أن تترك الكانون وشأنه قائلة: "عزا يا صالحة رح يذوب الملقط بين إيديكي، ريحيه وارتاحي عاد حولتيني وانتي تزيحي الجمرات عالشمال ترجعي تقلبيهم عاليمين. و بعدين ها؟".
يومها اعتقدت أن صالحة لن تزور جدتي بعد هذا الموقف، فذهبت إلى غرفة سودة وقلت لها إنني رأيتها وهي تصرخ في وجه صالحة وكيف أن صالحة لن تزورنا مرة أخرى. فأجابتني سودة ببرودة "والله يا معدلة بما انك عاملة فيها زي الكبار، قوليلي كم يوم الها صالحة ما اجت؟". "خمس ايام يا ستي" فضحكت وردت: "كبيرها أسبوع، يعني بعد يومين بتلاقيها هون حد الكانون، يلا سكري الباب وراكي". أغلقت بابها وهممت لأصعد الدرج فسمعت طرقاً خفيفاً على باب الدار، نظرت من الثقب الصغير لأرى من الذي يطرق بابنا وإذا بي أرى صالحة أمامي. من عجقتي لم أفتح لها الباب بل هرعت عند سودة و أخبرتها أنها على حق وأن صالحة لم تنتظر ليكتمل الأسبوع بل هي واقفة على باب الدار الآن، فخبأت سودة الملقط تحت المسند وأمرتني أن أدخلها. سلمت صالحة على جدتي وكأن شيئاً لم يحصل، فقامت سودة لتغلي الشاي مع المرمية إكراماً لضيفتها. وقفت بجانبها في المطبخ وسألتها "ستي ليش خبيتي الملقط؟ عشان صالحة ما تلعب فيه متل هاديك المرة؟" فما كان من سودة إلا أن وضعت يدها على فمي وهمست: "اسكتي ولي، كل اشي بتشوفي بدك تحكي عنه؟" اه شلته عشان تضلهاش ماسكيته كل الوقت، ناوليني الصينية اسا عن المجلى". ناولتها الصينية ووقفت على باب الغرفة فلمحت صالحة تحرك الجمرات بأطراف أصابعها حتى كادت تحرقهم، فأدرت وجهي باتجاه سودة وأخبرتها بما رأيت فأخذت نفساً عميقاً ونفخته بوجهي قائلة: "اللي في عادة يا فصعونة ببطلهاش، لا صالحة وقفت تلعب بالجمرات ولا انتي سكتي".