هل يُعد الغياب سبباً كبيراً في ضياع أو إتلاف ذكريات تعبَ الزمان في بنائها فرحاً وحزناً وجرحاً! هل تعاقبنا الذاكرة بالخيانة عند تجاهلها لمن كان يسكنها!

كانوا ثلاثة، ثالثهم هزمه الحزن بعد عام ونيّف من صراعه معه بعد موت اثنين، ولا تزال الأسئلة تدور حول نفسها وحولي تخنقني حين تسكن الدمع الذي في المحجر، فها هو عامٌ ثانٍ يمر على تموز الأسود.. يمر عليّ ضيفاً ثقيلاً يفتّش في الماضي عن أشياء طمسها التناسي، يكبر في النصف الآخر من الشهر الآنف ذكره حزن تتحول فيه الحياة إلى جحيم يجدد تنبيهنا أن لم يتبقَّ لنا سوى انتظار قاطرة الموت لتسرق ورود العمر الذابلة.
عندما أتحدث عن التاريخ ذاته تعود بي الذاكرة للحظة أسمّيها «بروفا الموت». لا شيء حولي لا شيء فوقي سوى الكثير من ركام البيت أهذي وأصرخ: أنا هنا أنا هنا.
يقول جارنا: «لولا أنكِ صرختِ ما علمنا بوجودك هنا فاحتسبناكِ شهيدة». وتقول أمي «لم أخشَ على ابنتي من الموت شهادة بل أن تموت خنقاً لما تعانيه من حساسية».
و أنا لا أزال تحت المنزل الذي استهدفته طائرات الغدر الصهيونية يوم الاثنين الموافق 21/07/2014 صباحاً دون سابق إنذار، أو كما عوّدنا العدو الغادر الماكر واللئيم، فحوّلته إلى ركامٍ وأطلال يُبكى عليها. يسألني الناس عمن كان معي، فأخبرهم أنه أخذ أمانته، وأن أمانتي لم يأخذها لأن أوانها لم يأت بعد، اختلطت دماؤهم بتراب الوطن فصار محمود وسائدة ذائبين فيه، وأذكر كيف صدق محمود حين كان يردد «أنا للوطن، للأرض وللشهادة»، وصدقت سائدة عندما قالت «لن أخرج من بيتي، هم عليهم أن يخرجوا من أرضنا».
وأنا لا أزال على عهدي لفلسطين وصوتي يصدح بأننا سنبقى هنا، وسنعيد إعمار بلادنا وما هدمه العدو حجراً حجراً، فلسطين لنا وحدنا وستبقى كذلك.
مر عامان، إلا أن الجرح لا زال، عكس الطبيعة، يتفشى يوماً بعد يوم. يؤلمني جرح غيابهم، ويحاصرني بسؤال: كيف صاروا ماضياً وهم في الذاكرة حاضرون؟ ماذا فعلَ الغياب بهم؟ ماذا فعل بنا؟