لماذا يا تغريد هذه اللعبة البشرية الغريبة، لماذا علينا دوماً أن نجمل الصورة السوداء؟ انقطاع الكهرباء سيئ وبشع بكل المقاييس، هل نعزي أنفسنا بأن نعود لحياة بدائية؟ جميل، ولكن جميع موارد الحياة الحالية ليست كذلك.

هل فعلاً يا صديقتي، العتمة تثير المشاعر بشيء من الرومانسية الجميلة لكثير من التأمل، أو لكتابة قصيدة على ضوء شمعة، أو رسم لوحة، أو عزف موسيقى؟ قد ينطبق هذا على بعض الناس، غير أن البقية ليس لهم لا بالسراج لا بالفتيل، إلا أن من ذكرتِهم سواء السيدات الغزيات أو العم أبو رشدي، فخلقوا من أزمة ليس لديهم أدنى مقدرة على حلها، مبادراتهم الخاصة للتعايش، فهل فعلاً أبو رشدي بوجود آلات حديثة سيضطر للتعامل بأدواته القديمة اليدوية المتعبة؟ وهل السيدات سيفرحن بمشهد البحر في العتمة كل يوم؟
صدقيني هذا عزاء الفقراء لأنفسهم، لضعفهم وقلة حيلتهم، العتمة بشعة، العتمة تعني أن عجوزاً في غزة، تخشى أن تنهض من فراشها للوضوء خشية أن تقع، وتعني أن أمهات كثيرات سيسهرن حتى عودة أولادهن الذكور إلى البيت، العتمة ليست سوى الخوف، وكل كلام آخر لن يكون سوى احتيال على المعنى.
في غزة مشكلة الكهرباء قديمة، وبات لها حلول من صنع أهل القطاع، بإثباتهم شبه اليومي، بأن الحاجة أم الاختراع، وقدمت غزة بسبب الحصار ومخلفاته منها غياب الكهربا، الكثير من الاختراعات، التي ليس آخرها السيارة التي تعمل على الطاقة الشمسية، ونفذها طالبان من جامعة الأزهر.
سينتهي هذا الحال يوماً، أو تحققين حلمك بالسفر خارج هذه العتمة والحصار، وستعلمين أن رومانسيتك تجاه العتمة، هي من صنع العتمة، وما أبدعته في نفسك، وأدري أن هناك شيئاً ما عجيب، هو قدرتنا على التعايش وقبول كل شيء، هل نحن ضعفاء؟!