القدس المحتلة | شدّ الحبل بقوة وأخذ يحاول مقاومة الجاذبية الأرضية التي بدت وكأنها متواطئة مع الاحتلال، لمنعه من تسلق جدار الفصل إلى الجهة الثانية. حاول مراراً وتكراراً إلى أن نجح بتسلق الثمانية أمتار، وهي ارتفاع الجدار، وحان الوقت ليقفز إلى أراضي القدس المحتلة.

أغمض عبد الله عينيه وتخيل صورة نجله الأول الذي كانت زوجته في مخاض إنجابه هناك في المستشفى الفرنسي في القدس، سمّى بالله ثم قفز متوخياً الحذر، لكون تلك المنطقة التي أصبحت تعد حدودية لا يتركها "جيب" حرس الحدود دون مراقبة.
ما إن لامست قدماه أرض القدس، حتى أخذ يركض بسرعة خشية أن يراه أحد جنود الاحتلال ويعتقله كمتسلل بدون تصريح. كان يفكر في زوجته، حبه الأول، التي التقاها عبد الله عبوشي ابن مدينة جنين، أثناء فترة دراسته في الجامعة العربية الأميركية، المقامة على أراضي قرية تلفيت التابعة لمحافظة جنين. عاشا قصة حب امتدت لعامين، حيث درسا في قسم اللغة العربية والإعلام، وبعد تخرجهما قررا الزواج ليكملا حياتهما معاً، متخطيَّين جميع الصعاب التي قابلتهما.
فكيف يمكن شاباً عاش في مدينة جنين وترعرع فيها أن يتزوج من خارج المدينة؟ وكيف لفتاة مقدسية أن تتزوج بشاب يحمل بطاقة هوية خضراء لا تمكنه من اجتياز أي حاجز احتلالي مقام على حدود السلطة الفلسطينية والعدو الإسرائيلي؟
هكذا، وبعد المباحثات والمفاوضات الحثيثة بين العائلتين، حددا موعد الزفاف، وقررا أن يسكنا في منطقة "كفرعقب" الواقعة شمال القدس المحتلة؛ ليحافظا على الهوية الزرقاء التي يمكن أن تهبها زوجة عبد الله لأبنائهما، حيث يخول القانون الإسرائيلي المعمول به في القدس حامل الهوية المقدسية أن يمنح أبنائه بطاقات زرقاء. عبد الله قرر أن يضحي بعمله وسكنه بجوار والديه، ليمنح أولاده تلك البطاقة الزرقاء التي أصبحت حلم كل فلسطيني يسكن في الضفة الغربية. حيث تمكنه هذه البطاقة من زيارة كافة أراضي وطنه المسلوب، فضلاً عن الصلاة في المسجد الأقصى.
لم يكن ذلك هدف عبد الله فحسب، فالدافع الوطني كان هدفاً أصر عبد الله على تحقيقه، فهو أراد زيادة نسبة حملة الهوية الزرقاء التي يسعى الاحتلال إلى تقليلهم بحسب مخطط 2020 الرامي إلى تقليص نسبة سكان مدينة القدس العرب من 35% إلى 20% فقط من طريق سحب الهويات وهدم البيوت وطرق أخرى.
وبحكم أنهما مختلفا "الهوية"، لم يجد الزوجان مكاناً يمكن أن يسكنا فيه معاً، إلا منطقة كفرعقب التي تقع شمال القدس المحتلة، داخل جدار الفصل العنصري، حيث تخضع هذه المنطقة لسيطرة الاحتلال على الرغم من كونها تقع داخل الجدار، فسكانها يدفعون لبلدية الاحتلال في القدس ضريبة الأملاك التي تسمى «أرنونا» مقابل خدماتها الوهمية في المنطقة.
عبد الله مثلاً يدفع لبلدية الاحتلال سنوياً مبلغ 560 دولاراً كضريبة «ارنونا»، إلا أن بلدية الاحتلال لا تقدم للمنطقة التي يسكن فيها من الخدمات إلا مفوضاً منها لجمع النفايات والتخلص منها، فالشوارع مكسرة ولا توجد إشارات ضوئية، ولا توجد حاويات نفايات كافية. هكذا يتبين أن المقدسي الذي يسكن في تلك المنطقة يدفع مبلغاً كبيراً من المال فقط مقابل الحفاظ على هويته المقدسية فحسب.
عندما ترك عبد الله العبوشي عمله مع والده في صالة الأفراح في جنين، كان يأمل أن يجد عملاً بشهادته الجامعية في مدينة رام الله القريبة من منطقة سكنه، إلا أن صفوف العاطلين من العمل فاجأته! فهناك آلاف المتخرجين الذين يبحثون عن فرص عمل تشعرهم بأنهم لم يضيعوا الوقت والمال في الجامعات، عبث! ما دفعه لقبول أي وظيفة لسدّ مصروف الحياة في منطقة كفرعقب، وهي مصاريف أعلى من تلك التي كان يتكبدها في جنين، وللمقارنة فقط يصل إيجار بيته إلى 400 دولار في كفرعقب، بينما في جنين لا يتعدى 100 دولار.
ولا يقتصر الغلاء على ارتفاع أسعار السكن، فأسعار المأكل والمشرب فيها متساوية تقريباً مع أسعار المناطق المحتلة التي تعد مرتفعة. فيجد عبد الله الذي لا يتجاوز مرتبة الشهري 600 دولار من مخزن الأدوات الكهربائية، أن ساكن كفرعقب يتلقى مرتب عامل الضفة الذي لا يتجاوز الحد الأدنى فيه 23 دولاراً لليوم الواحد، بينما يترتب عليه أن يدفع ما يدفعه ساكن مدينة القدس، الذي يصل الحد الأدنى لأجره اليومي 51 دولاراً! كل ذلك في مقابل أن يحافظ على هوية زوجته وأولاده.
وزواج الفتاة التي تحمل هوية مقدسية بشاب يحمل هوية الضفة لا يتقبله الاحتلال بسهولة، فعليها تقديم إثباتات كثيرة حتى تتمكن من الحفاظ على هويتها. هكذا طلب الاحتلال من آباء، زوجة عبد الله، أن تحضر مخطط العمارة السكنية التي تسكن فيها في منطقة كفرعقب من دائرة الأراضي في بلدية الاحتلال، وكذلك أن تسجل ساعة الكهرباء والماء باسمها، بالإضافة إلى أن يكون عقد الإيجار باسمها أيضاً.
ولم يعترف الاحتلال بعبد الله زوجاً لآباء حتى بعد إحضارهما لعقد زواجهما وبطاقة دعوة العرس، فاكتفى الاحتلال بتسجيل أنها متزوجة، ولم يذكر اسم زوجها ولا رقم بطاقة هويته كما يفعل عندما يتزوج حملة الهوية الزرقاء.
وعندما تمكن عبد الله من الوصول إلى المستشفى، واستطاع مرافقتها في أثناء الولادة وسمع صوت نجله ظافر، نسي كل ما يعانيه! ففرحته بمولوده الأول لو وزعها على الأرض لملأتها، وخاصة أنه كان يعتقد أن ابنه سيكون محظوظاً ولن يقفز عن جدار "الضم والتوسع العنصري" كما يسميه الحقوقيون الفلسطينيون، كلما أراد زيارة أقاربه لأمه، لكونه سيحمل الهوية الزرقاء التي ستمكنه من الصلاة في المسجد الأقصى الذي لطالما حلم عبوشي بالصلاة فيه.
إلا أن الاحتلال بعد كل ما تكبده عبد الله من عناء، لم يمنح نجله شهادة ميلاد مقدسية دائمة! لكون والده يحمل بطاقة خضراء، لكنه منحه شهادة ميلاد مؤقتة، وقال إنه سيدرس إمكانية إصدار شهادة ميلاد مقدسية دائمة له.
حالة عبد الله العبوشي ليست الوحيدة التي تعاني من سياسات الاحتلال التي تنغص على الفلسطينيين المتزوجين من "هويات مختلفة"، فعبد الله مثال لحالات كثيرة تسكن المنطقة نفسها التي أصبحت نوعاً من ملاذ جغرافي لوضع اجتماعي سوريالي لا يستطيع غير عقل الاحتلال المريض أن يتصوره!