ازدادت وتيرة العمليات العسكرية في الحرب على اليمن بسرعة، وبالتزامن تصدّرت الصور التي ينقلها «الإعلام الحربي» التابع للجيش اليمني و«اللجان الشعبية»، المشهد، ما جعل السعودية عاجزة عن إخفاء الحقيقة المرّة لهزيمة جيشها المسلح بأحدث أنواع الأسلحة، وهربه المهين أمام المقاتلين اليمنيين بأسلحتهم القديمة والبسيطة.

على المستوى العسكري، تصدّر المشهد العالمي صورتان متناقضتان، الأولى منهما هي المشاهد التي يوزعها «الإعلام الحربي» باستمرار عن العمليات العسكرية للجنود اليمنيين وهم يطاردون الجنود السعوديين داخل أراضي المملكة، ولعلّ أشهر هذه المشاهد كانت تلك التي سُمع فيها صوت مقاتل يمني ينادي جندياً سعودياً محاصراً في نجران بالقول: «سلّم نفسك يا سعودي».
كذلك برزت الحافزية وإرادة القتال لدى الجيش اليمني والقدرة على تدمير المواقع والخطوط الدفاعية السعودية. وأكثر ما لفت المراقبين هو الحضور الدائم لكاميرا «الإعلام الحربي» الذي تطور أداؤها وثباتها ونقاوة صورتها.
ولفت متخصصون إلى أن «الإعلام الحربي» يتماثل مع بقية الاختصاصات العسكرية والفنية الأخرى للجيش اليمني لجهة التقدم والاستفادة من التجارب، بل يمكن القول إن تغطيته تفوَّقت على نظرائه في سوريا والعراق. كذلك لم يعد احتكار السعودية الأقمار الاصطناعية العربية وامتلاكها مقدرات فنية هائلة، يمكنانها من حجب حقائق الميدان وما يشهده جيشها وآلتها العسكرية الضخمة.

ثمة حضور دائم للكاميرا مع تطور في ثباتها ونقاوة صورتها

استطاع «الإعلام الحربي» بنقل الوقائع من زوايا مختلفة إنتاج مادة تعكس الواقع المرير لأكبر جيش خليجي، وهو يتراجع أمام مجموعات يمنية صغيرة، وأحياناً مجموعات قبلية ترتدي الزي المدني المناطقي بدلاً من البدلات العسكرية الرسمية.
لم تعد صورة «الإعلام الحربي» أسيرة القيود السعودية، بل قفزت عن كل المعوّقات التي وضعتها أمامها المنظومة الإعلامية والفنية الخليجية، التي كانت حتى الأمس القريب تتحكم بالإعلام العربي. ولم يكن أمام وسائل الإعلام العالمية إلا التعاطي مع هذه المشاهد ونقلها مثلما هي من منطلق احترافي وكسبق إعلامي يحظى بالاهتمام والمتابعة والتحليل.
من ذلك ما نشره موقع «IHS JANES» البريطاني المتخصص بالشؤون العسكرية، في معرض تعليقه على مشاهد «الإعلام الحربي»، واصفاً إياها بأنها «أسوأ الحوادث التي يتعرض لها الجيش السعودي»، و«سيئة بالنسبة إلى الجيش السعودي». وخلص في معرض تحليله للصور إلى أن العدد القليل من القتلى السعودين يعود إلى «تراجع المدافعين السعوديين قبل دحرهم».
في المقابل، تبرز الصورة الثانية، وهي صورة المجازر التي يرتكبها الطيران السعودي وملاحقته الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ على الطرقات وفي الأعراس والمستشفيات والأسواق، إلى حدّ بات فيه الأداء العسكري السعودي في اليمن تحت نظر وسائل إعلام عالمية كثيرة.
وكمثال على ذلك، ما قاله الكاتب والمؤلف جوناثان مارشال، حينما اتهم في مقالة السعودية بشنها حرباً دموية، وبأنها خلقت أزمة إنسانية ودمرت التراث الثقافي في اليمن. وتهكّم مارشال، في موقع «كونسورتيوم نيوز» الأميركي، إنه إذا كان هناك «أولمبياد» لشنّ الحروب الدامية، فإن السعودية ستفوز بالتأكيد بميدالية لقصفها اليمن بلا هوادة على مدى أكثر من عام ونصف عام.
لم يعد مهماً لصاحب القرار في الرياض منع مشاهد جنوده الهاربين في صحراء وتضاريس الجنوب السعودي في العالم، فانتشار الفيديوهات المصورة في العالم تجاوز إرادته وقدرته. ما يهمه حالياً هو منع وصول تلك المشاهد إلى الداخل خوفاً من انعكاسها على الجمهور السعودي خصوصاً، والخليجي عموماً، ولما لها من تأثير معنوي ونفسي، لذلك استطاع نسبياً التحكم بوسائل الإعلام المختلفة داخل منظومته والحد من التأثيرات التي قد تلحق بجمهوره.
في الجانب الآخر، لم يبالِ النظام السعودي بمشاهد الأشلاء اليمنية جراء غاراته الجوية، وهو في هذا الإطار مطمئن إلى تجاوزه الضغوط الدولية التي تتهمه بالقتل الجماعي وانتهاكات حقوق الإنسان، بعدما نجح بالتفلت من اتهامه بعدد من المجازر، واضطرار الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، إلى سحب السعودية من اللائحة السوداء لقتل الأطفال، وساعده في ذلك الحضور القوي في المنظمات الدولية المعنية بهذا الشأن.
ما يهمّ السعودية هو أن تتملص من ضغوط أصدقائها المحرجين من صور المجازر في وسائل الإعلام وتأثير ذلك في الرأي العام، خصوصاً في مواسم الانتخابات، وذلك بعدما أصبح الدعم الغربي، وخصوصاً الأميركي للحرب على اليمن موضع مساءلة شعبية وإعلامية وبرلمانية.
وإن استطاعت الرياض التفلت القانوني، لامتلاكها مقدرات مالية هائلة مسخّرة لتلميع صورتها، فمن المرجح أنها ستفشل في التهرب من تبعات المسؤولية الأخلاقية والمعنوية، التي باتت صور المجازر بحق أطفال اليمن تظهر حقيقتها للعيان.