استجوابات لم تكتمل، وثقة لم تسحب، وانتقادات لم تتجاوز حد الصوت العالي و«الشو» الإعلامي. هكذا مرّ الدور الأول من انعقاد البرلمان المصري الذي اختتم جلساته قبل أيام، بعد نحو تسعة أشهر بدأها بداية العام الجاري. جلسة الختام وصفها رئيس البرلمان، علي عبد العال، بـ «التاريخية»، لكن الحقيقة أن الجلسة لم تكن سوى تأريخ لإنهاء مرحلة من أكثر مراحل تاريخ البرلمان المصري نفاقاً للسلطة وانحيازاً إليها على حساب الشعب، حتى بالمقارنة مع أيام البرلمانات الملكية.

حتى على صعيد تركيبته الداخلية التي أسهم فيها الأمن بصورة جلية، وعلى سبيل المثال، استغرق المجلس عدة جلسات للحديث عن أزمة لقاء النائب السابق توفيق عكاشة، مع السفير الإسرائيلي في منزله، ليصوتوا على إسقاط عضويته. هذا قد حدث، ولكن أيضاً تجاهل النواب حكماً قضائياً بأحقية مرشح لدخول المجلس بديلاً من نائب حالي، رغم النص الدستوري الواضح بضرورة تنفيذ أحكام محكمة النقض، والسبب أن الغالبية غير مرتاحين لدخول ذلك النائب الحاصل على الحكم، وهو عمرو الشوبكي، الذي يفترض أن يكون بديلاً لأحمد مرتضى منصور. والآن، يسعى المجلس إلى التحايل على الحكم بمحاولة توليف صيغة قانونية تضمن إعادة الانتخابات في الدائرة المشترك فيها الاثنان، على أمل سقوط الشوبكي.
عموماً، على مدار 95 جلسة انعقدت في الأشهر التسعة، لم يمرر البرلمان قانوناً واحداً لمصلحة المواطنين، بل اعتمد جميع القوانين التي صدرت خلال المرحلة الانتقالية برئاسة الرئيسين عدلي منصور وعبد الفتاح السيسي. صحيح أنه اعترض على قانون «الخدمة المدنية» الذي ينظم طبيعة عمل موظفي الحكومة، ثم تبين أنه مجرد تأجيل سينتهي غالباً بإقرار ذلك القانون بالصيغة نفسها في دور الانعقاد المقبل، بل نفس الضوابط مع اختلاف طفيف في الصياغة. هذا الاختلاف هو أن 2% ستكون هي الزيادة في العلاوة السنوية، التي حددتها الحكومة بالقانون السابق بـ5%، قبل أن يرفعها المجلس لتكون 7%. لكن البنود الأخرى تشمل وقف التعيين في الوظائف الحكومية إلا عبر مسابقات تنظم ضمن خطة لتخفيف الجهاز الإداري للدولة الذي يعمل فيه نحو سبعة ملايين موظف.
في مقابل زيادة الـ2%، أقر البرلمان عدة قرارات أسهمت في زيادة الأعباء على الطبقة المتوسطة ورفعت الأسعار بنسب وصلت إلى 20% ــ على الأقل ــ مقابل إخفاق لجانه المختلفة في الحدّ من زيادة الأسعار أو تحقيق الانضباط في سعر الصرف الرسمي للجنيه أمام الدولار الأميركي، الذي يشهد زيادة في معاملات السوق السوداء تصل إلى أكثر من 30%.

لم يستغل النواب أي صلاحيات لمواجهة الحكومة والرئاسة قانونياً

واكتفت «اللجنة الاقتصادية» في المجلس بالاستماع إلى رؤية محافظ البنك المركزي لمعالجة الأزمة، بل أكد أمام النواب حدوث خفض جديد لقيمة الجنيه بعدما خسر قبل أشهر قليلة نحو 13% من قيمته بخفض رسمي لسعر الصرف، فضلاً عن إمرار قانون القيمة المضافة بديلاً من ضرائب المبيعات، الأمر الذي سيرفع الأسعار بصورة تقول الحكومة إنها محدودة، لكن، يؤكد خبراء الاقتصاد أنها ستكون مؤثرة في الطبقة المتوسطة التي دفعت ثمن تراجع قيمة الجنيه بسبب تحملها زيادة الأسعار دون تعويض الفارق بالرواتب.
أيضا، مرّر البرلمان قانوناً لتغليظ عقوبات المعاملات غير الرسمية في العملة بما يجعل حق الحكومة مصادرة الأموال وإمكانية حبس من يصرفون الدولار خارج السوق الرسمية، كذلك لم يبد أي من النواب اعتراضاً على استمرار الأزمة وإغلاق نحو 50% من شركات الصرافة العاملة في السوق المصرية، بل وسط دعوة من رئيس البرلمان إلى قانون يوقف نشاط الشركات التي يتهم القائمون عليها بافتعال أزمة نقص العملة.
أما في أزمات الفتن الطائفية، فأغلق رئيس المجلس المناقشات في الجلسة العامة واكتفى بالاستماع إلى أقوال عدد قليل من أهالي قرية واحدة في المنيا من بين أربع قرى وقعت فيها مشادات طائفية، وهو موقف مرره النواب الأقباط في المجلس حرصاً على إمرار قانون بناء الكنائس، خاصة أن الأخير شهد مناوشات بين الحكومة والكنيسة قبل إرساله إلى المجلس، كذلك حاولت الحكومة عرقلته في البرلمان من طريق بعض النواب قبل أن تستجيب للضغوط الكنسية وتجعل النواب يوافقون على إمراره دون ملاحظات.
هكذا، فضّ المجلس دور انعقاده الأول، مغفلاً النظر عن استحقاقات دستورية عطلت تغييرات رئيسية في مؤسسات الدولة، منها قانون «المجلس القومي لحقوق الإنسان» والمجالس القومية المتخصصة بالإضافة إلى تشريعات الإعلام، وقانون المجالس المحلية الذي سينظم طريقة إجراء الانتخابات البلدية. وكلها استحقاقات نصّ الدستور على إنجازها في الفصل التشريعي الأول، ولم يلتفت إليها النواب بسبب انشغالهم في ترسانة قوانين أخرى أرسلتها الحكومة لإمرارها، وكذلك الحال بالنسبة إلى قانون «مفوضية الانتخابات» الذي يؤدي عدم إقراره إلى مخاوف من فراغ تشريعي في حال صدور حكم ببطلان قانون الانتخابات وحل المجلس، خاصة أن الدستور نصّ على إقرار هذا القانون حتى تشرف المفوضية المذكورة على الانتخابات المقبلة.
وجلسات البرلمان، أيضاً، وافق النواب على وقف بثها تلفزيونياً بعد تعرضهم لانتقادات حادة، كذلك لم تشهد أي جلسات استجوابات لوزراء الحكومة، بمن فيهم رئيسها شريف إسماعيل، برغم أن الحكومة دخلت مفاوضات الحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار من «صندوق النقد الدولي» دون مراجعة البرلمان أو عرض رؤيتها عليه في كيفية سداد قيمة القرض والشروط التي وافقت عليها، علماً بأن المجلس اكتفى بطلبات الإحاطة وبحضور بعض الوزراء لمناقشات لجانهم المختصة.
ولم يستغل النواب أي صلاحيات لمواجهة الحكومة دستورياً وقانونياً. حتى «لجنة تقصي الحقائق» التي شكلت لمتابعة قضية فساد القمح انتهت بتوصيات لم تسعَ إلى إلزام وزارة التموين، مكتفية بقرار وزير التموين السابق خالد حنفي تقديم استقالته بعد إثارة جدل إعلامي حول إقامته في فندق «5 نجوم» لممارسة عمله الوزاري.
أخيراً، يفترض أن البرلمان، الذي يعود دور انعقاده الثاني بداية من الشهر المقبل، أن يناقش تعديلات قانون التظاهر وغيرها من القوانين المؤجلة، لكن يبقى التساؤل عن قدرة نوابه على مواجهة أبناء دوائرهم خلال العطلة البرلمانية في ظل وجود أصوات فردية حتى من داخل «ائتلاف دعم مصر» ــ شكلته الجهات الأمنية للحصول على الأغلبية البرلمانية ــ تفيد بغضب شعبي من قرارات المجلس والحكومة والرئاسة ككل، وتراجع الثقة بهم، وكذلك انخفاض شعبيتهم.