أثار وصف رئيس حكومة العدو الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مطلب إخلاء المستوطنات في الضفة المحتلة، بأنه «تطهير عرقي»، ردود فعل حادة في الداخل والخارج الإسرائيلي. وقد قارن نتنياهو في مقطع فيديو نشره على صفحته على «فايسبوك»، باللغة الإنكليزية، بين ما يقارب مليوني عربي بقوا في إسرائيل، والمستوطنين في الضفة، على أنهم على حد سواء، قائلاً إنه في الوقت الذي لا يعتبر فيه أحد العرب في إسرائيل عقبة أمام «طريق السلام»، لا يجب النظر إلى «المستوطنين اليهود الذين يعيشون إلى جانب الفلسطينيين في الضفة كعقبة أمام السلام».

مع ما ينطوي هذا الموقف على وقاحة في التوصيف، وتجاهل للوقائع التاريخية والحالية، فإنه الأصدق تعبيراً عن حقيقة خلفيات السياسة الإسرائيلية، والأكثر محاكاة لتطلعات المستوطنين، والأبلغ تجسيداً للطموحات الصهيونية في الضفة. كذلك يندرج موقف نتنياهو في سياق سياسي داخلي وخارجي، ويختزل في داخله القراءة الإسرائيلية للمرحلة الجديدة في السياسة الواجب اتباعها مع الضفة.
ولا يخفى أن الاستيطان في الضفة، تحديداً، يشكِّل حيِّزاً أساسياً في العقيدة الصهيونية، لما لها من موقع في الوعي والوجدان الصهيوني، وأبعاد استراتيجية في العقيدة الأمنية للدولة، ولما تتمتع به الضفة من خصوصية جغرافية بالنسبة إلى إسرائيل أو إلى محيطها العربي، عبر الأردن.
على هذه الخلفية، تمسكت تل أبيب بسياسة الزحف الاستيطاني المتدرج بما يتناغم مع الظروف السياسية، وهو ما برز في «اتفاق أوسلو» الذي حلّت ذكراه يوم أمس، والذي تجاهل فرض قيود على التوسع الاستيطاني، ما مكّن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من استغلاله كغطاء وكمظلة تحمي الدولة من انعكاسات دولية وإقليمية مفترضة، للدفع نحو مزيد من الاستيطان، وصولاً إلى فرض خطوط حمر تتصل بالكتل الاستيطانية في أيّ تسوية شاملة ومقبلة على المسار الفلسطيني.
امتداداً لما تقدم، فإن ما أدلى به نتنياهو والأوصاف التي أسبغها على أي عملية إخلاء استيطاني لاحق، تمثل ارتقاءً جديداً في سياسة فرض الوقائع وتكريسها ومحاولة إضفاء مشروعية سياسية عليها. وبالتأكيد، لم يأتِ هذا الارتقاء بمعزل عن السياقات السياسية والاستراتيجية في المنطقة، تحديداً انتقال معسكر «الاعتدال العربي» إلى مرحلة التدرج في تظهير العلاقات مع إسرائيل، وتطويرها وتعزيزها، باعتبارها مركز ثقل استراتيجي في المعادلة الإقليمية ضد محور المقاومة.
في المقابل، يرى نتنياهو والمعسكر الذي ينتمي إليه، في اللحظة الإقليمية وما تنطوي عليه من فرص وتهديدات، أرضية ملائمة لاستغلال الاندفاعة العربية من أجل شطب أي رهان فلسطيني على أي أثمان سياسية تتعلق بالتسوية. وما عزَّز الوقاحة الإسرائيلية ــ قد نشهد تعبيرات جديدة لها في المراحل اللاحقة ــ هو الخطاب السياسي والأداء السعوديان إزاء إسرائيل، وصولاً إلى الزيارة العلنية لوفد سعودي لإسرائيل، ثم الغطاء السعودي للمناورات الجوية المشتركة بين سلاحي الجو الإسرائيلي والإماراتي.
أيضاً، مما لفت، مقارنة نتنياهو بين الفلسطينيين في إسرائيل، وبين المستوطنين، وهو أمر ينطوي على مؤشرات على خطاب سياسي رسمي، يرى في تكريس هذا المفهوم ــ الشعار أرضية للمطالبة بتبادل سكاني على قاعدة التماثل في ما يحق وما لا يحق لكلا الطرفين. نتيجة ذلك، وكما أن الدولة الفلسطينية المفترضة، لاحقاً، يحق لها المطالبة بخلوها من المستوطنين، يحق لإسرائيل أيضاً، المطالبة بأن تكون خالية من أي فلسطيني، لأنه ستكون دولة يهودية!
في ما يتعلق بفرضية أن هذا المطلب والخطاب لا يتلاءمان مع الواقع السياسي القائم، ينبغي التذكير بأن الكثير مما يطرح الآن، وبات من المسلمات، كان في مراحل سابقة مبالغاً فيه قياساً إلى المعطيات والمعادلات التي كانت سائدة في ذلك الوقت. فضلاً عن أننا نشهد مساراً تصاعدياً متسارعاً في الخطاب السياسي الإسرائيلي بالتوازي مع سرعة تطورات المنطقة وإعادة تبلور معادلات إقليمية جديدة.

ما تشجع الإسرائيليون على هذا التوصيف لولا الاندفاعة العربية للتطبيع

مع ذلك، تبقى مروحة من الأسئلة لم يجب عنها نتنياهو، وتتفرع عن وصف المطالبة بالتطهير العرقي. فهل يقصد أن يكون المستوطنون مواطنين في الدولة الفلسطينية، مع كل ما يترتب على ذلك من مفاعيل سياسية وقانونية؟ أم سيبقون مواطنين إسرائيليين لكن يسكنون في الدولة الفلسطينية المفترضة؟ المرجح أن نتنياهو ومعه المستوطنون، يرفضون الصيغة الأولى، ويدركون أن السيناريو الأخير لا تحتمله القيادة الفلسطينية، لذا قد نكون أمام تكتيك جديدة في زرع المزيد من الألغام أمام التسوية التي تهدف إلى تكريس الواقع القائم، سياسياً، بما يوفر مظلة للاندفاع نحو مزيد من الاستيطان، ميدانياً.
مع ذلك، المفارقة أن الوقاحة الإسرائيلية التي تجسدت بهذا التوصيف، أتت دون أي محاولة تجميل، أو تلطيف، لمحتوى التوصيف أو حتى على مستوى التعبير. وما كانت لتقوم إسرائيل لولا سياسة التطهير العرقي التي مارستها عام 1948، عندما طردت مئات الآلاف من الفلسطينيين، تمهيداً لإقامة دولة تستند إلى أغلبية يهودية. وبعبارة أخرى: «دولة» إسرائيل هي حصيلة وثمرة التطهير العرقي الذي مارسته العصابات الصهيونية، ثم واصلت هذه السياسة بأدوات وبتكتيكات مختلفة، بما يتلاءم مع «مرحلة الدولة». وما الاستيطان سوى أحد تجليات هذه السياسة.
على المستوى الداخلي، يأتي توقيت طرح شعار «التطهير العرقي» دفاعاً عن الاستيطان والمستوطنين، في لحظة الاشتباك العلماني ــ الحريدي في إسرائيل، التي تموضع فيها نتنياهو إلى جانب المعسكر الأخير حفاظاً على استقرار حكومته واستمرارها. وأراد بذلك حرف الاهتمام الإعلامي من عنوان بدا فيه نتنياهو في مواجهة الأغلبية العلمانية، إلى عنوان يستفز به معسكر اليسار، الذي سيهاجمه على هذا الموقف، وبالنتيجة يجذب إلى جانبه المستوطنين وسائر اليمين. وهدف أيضاً إلى حرف الرأي العام عن الاهتمام بالتهم وبالقضايا التي تلاحقه بها الشرطة.
وأراد أيضاً إذلال الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، في ذروة الحديث عن لقاء مشترك بينهما مفترض عقده في موسكو، تلبية للدعوة الروسية. وربما هدف إلى حشر عباس لدفعه إلى تخريب اللقاء، أو على الأقل توفير دعم يميني لمشاركته في لقاء لا يملك فيه الرئيس الفلسطيني ــ الذي جرد نفسه من أوراق الضغط المضادة ــ سوى تسجيل المواقف الاعتراضية.
مع ذلك، ينبغي ألا تتجاهل تعمد نتنياهو إطلاق موقفه باللغة الإنكليزية، كأنه أراد مخاطبة عواصم القرار الدولي مباشرة، وتحديداً واشنطن، التي سارعت إلى الرد عبر المتحدث باسم الخارجية الأميركية، اليزابيت ترودو، التي أعربت عن معارضة الإدارة الأميركية لموقف نتنياهو، قائلة: «نعتقد أنّ استخدام عبارات من هذا النوع («تطهير عِرقيّ») ليس ملائماً وليس بنّاءً. نشترك في هذه النظرة مع جميع الإدارات الأميركية السابقة وإجماع المجتمع الدولي أنّ استمرار بناء المستوطَنات يشكّل عقبة في طريق السلام». وتابعت ترودو بدعوة الجانبَين الإسرائيلي والفلسطيني إلى أن يُظهرا التزاماً بحلّ الدولتَين الذي تدعمه الولايات المتحدة، معبّرةً عن قلقها من استمرار البناء الاستيطاني في الضفة.
إلى ذلك، استدرج موقف نتنياهو ردوداً سياسية داخلية، اعتبرته خطيراً ومساً بالإنجازات التي سبق أن تحققت خلال الحكومات السابقة، لجهة الموافقة الأميركية على أن تكون الكتل الاستيطانية الكبرى «جزءاً من إسرائيل» في أي تسوية شاملة مع السلطة الفلسطينية.