أصوات القذائف والانفجارات التي أيقظت دمشق أمس، جاءت بمثابة أوّل ترنّح حقيقي لاتفاق «الهدنة» الأخير. وعلى الرّغم من أن القذائف التي طاولت بعض أحياء دمشق القديمة (آتيةً من جوبر) لم تُخلّف ضحايا بفضل عدم اكتظاظ الشوارع بالمارّة صبيحة يوم الجمعة، غير أن مكمن الخطر الذي هدّد الهدنة لم يكن القذائف في حد ذاتها، بل ما سبقها وتلاها من معارك عنيفة على خطوط التماس في حي جوبر شرقي دمشق. الاشتباكات التي استمرّت ساعات وتردّدت أصداؤها بوضوح في بعض مناطق العاصمة ولا سيّما حي العباسيين ومحيطه، كانت قد اندلعت إثر تصدّي الجيش السوري لمحاولة اختراق دشّنتها المجموعات المسلحة نحو العاصمة. المحاولة كانت «كبيرة ومُنظّمة» وفق ما أكّده مصدر ميداني سوري لـ«الأخبار»، الأمر الذي يشي وفقاً للمصدر بـ«حقيقة النوايا التي يبيّتها الإرهابيون لاستغلال الهدنة».

واختار «فيلق الرحمن» لشن هجومه توقيتاً أُريدَ منه توفير عنصر المفاجأة، بعد التزام «الفيلق» الهدنة خلال أيام العيد، ما أوحى بأنّ محاور العاصمة مرشّحة لفترة من الهدوء الفعليّ. وفي الساعات الأولى من فجر الجمعة انطلقت «وحدات الاقتحام» التابعة لـ«الفيلق» في محاولة تقدّم سريعة، لكنّها مُنيت بالفشل آخر المطاف. ويعزو المصدر الميداني فشل الهجوم إلى «نظام المراقبة والرصد الدقيق الذي عزّز الجيش من فعاليته أخيراً على المحاور الساخنة». يؤكد المصدر أن «المحاولة لم تكن مباغتة، ولا نتوقّع أن تكون يتيمة. قد تتبعها محاولات أخرى في أي لحظة». وتشير المعلومات المتوافرة إلى أنّ القرار السوري في هذه المرحلة استقرّ على مراقبة الجبهات بحذر، والتصدي الفوري لأي تحرّك مع الاكتفاء بإحباطه. الأمر الذي يُفسّر عدم مبادرة الجيش إلى شن هجوم مضاد واسع النطاق بعد إحباط هجوم جوبر كما جرت العادة. وبدا لافتاً أنّ إحباط الهجوم قد أُنجز من دون تدخل ناريّ جوي، وهو ما يمثل وفقاً لمصدر أمني سوري «أحد أهداف الهجوم. إذ كانت هناك رغبة واضحة في جرّ الطيران إلى ساحة المعركة بغية استغلال الأمر في ترويج رواية مفادها أن الجيش هو من خرق الهدنة». ويضيف المصدر: «هم على أي حال سيحاولون ترويج هذه الرواية». وحتى الآن تحافظ دمشق على لهجة تشكيك كبيرة في «نوايا المسلّحين وداعميهم، وفي أهدافهم من وراء الهدنة»، وفقاً للمصدر الأمني. في المقابل تبرز «ثقة كبيرة بالحليف الروسي» أدت دوراً أساسيّاً في قبول الاتفاق الروسي الأميركي الأخير.
ويؤكّد مصدر سوري رفيع المستوى لـ«الأخبار» أنّ «العلاقة بين دمشق وحلفائها ومن ضمنهم موسكو قائمة على الثقة المتبادلة». ويحافظ المسؤول السوري على لهجة حذرة في التعليق على الاتفاق، مؤكّداً في الوقت نفسه أنّ «الدولة السورية ستؤدّي التزاماتها كاملةً، مع استعدادها لكل السيناريوهات الممكنة». يلفت المصدر إلى «تفصيل جوهري» وفق تعبيره، مفادُه بأنّ «الحكومة السورية اطّلعت على بنود الاتفاق كاملةً، ما نُشر منها وما لم يُنشر، وهي قد اختارت الموافقة عليه استناداً إلى كل ما احتواه من تفاصيل. أي بمعنى آخر: بوصفه سلّة متكاملة». ويحيل كلام المصدر إلى تساؤلات عما تضمنّته الأجزاء التي لم تُنشر من الاتفاق، ومدى تقاطعها مع رؤية دمشق وحلفائها، والدور الذي أدّته تلك الأجزاء في قبول الاتفاق وتبنيه.

تتعامل دمشق مع اتفاق «الهدنة» على أنه «سلّة كاملة»

لكنّ مصادر سورية عدّة ترفض الإجابة ولو تلميحاً، وتكتفي بردود مفادُها أنّ «الالتزام بعدم تسريب الاتفاق كان أحد بنود الاتفاق». أما المعلومات القليلة المتوافرة في بعض الكواليس الحكومية والأمنية السوريّة، فتشير إلى أن معسكر الجيش وحلفائه ينتظر بصبر كبير ترجمة التفاهمات الروسية الأميركية في شكل غارة مشتركة أولى بين القوّتين العُظميين. وتعوّل دمشق وحلفاؤها على بدء تلك العمليات الموعودة لتكون مُنطلقاً فعلياً لفصل «جبهة فتح الشّام» (النصرة سابقاً) عن بقية المجموعات. ما يعني بالتالي، عزل واحدة من أشد الأذرع العسكريّة فاعليّة ضد الجيش على مختلف الجبهات، كما يؤشّر إلى «بداية التعاطي الصحيح مع إرهابيي القاعدة» وفقاً لمصدر أمني سوري. وسيكون من شأن التنسيق العملياتي الموعود بين موسكو وواشنطن أن يمنحَ الأولى ورقةً قابلةً للصرف على طاولات التفاهمات (وتحتها)، عبر الخروج بالقوات الروسيّة من دائرة توصيفها على أنّها «قوّات حليفة للنظام» فحسب، وإلزام الجميع معاملتها على أنّها جزء من «تحالف دولي لمحاربة الإرهاب».
وبرغم أنّ الحديث عن إمكان تحويل التنسيق الثنائي إلى نواة لـ«تحالف دولي جديد» يبدو سابقاً لأوانه، لكنّ الاحتمال يبدو وارداً. وربّما كان هذا الاحتمال سبباً من أسباب قبول معسكر دمشق وحلفائها تحييد الطيران السوري عن المشاركة في استهداف مواقع «النصرة». الخشية الأميركية من «منح النظام السوري الشرعيّة بمجرّد مشاركته في استهداف قوى تستهدفها الولايات المتحدة في الوقت نفسه» كانت حاضرةً على طاولات التفاوض العسير الذي سبق الوصول إلى التفاهم الروسي الأميركي. وتحضر لدى جنرالات «البنتاغون» خشيةٌ مماثلةٌ في ما يتعلّق بالتنسيق مع موسكو، وقد أدّت هذه الخشية إلى تأخّر إبرام الاتفاق العتيد، كما إلى عرقلة التوافق على آليّات التنسيق بين الطرفين لغاية الآن. ولم تتجاوز الإجراءات المشتركة بين موسكو وواشنطن حتى الآن حدود «التأكد من السلامة خلال الطيران» وعدم حصول حوادث أو سوء تفاهم في السماء السورية.
ويدفع جنرالات «البنتاغون» بأنّ «الروس لن يستمرّوا في تنفيذ الاتفاق وستقع الملامة على الولايات المتحدة». وتستند هذه الرؤيا إلى «أزمة ثقة مع موسكو، وخاصة في ظل عدم وضوح أهداف الروس في سوريا»، وفقاً لما نقلته صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤولين أميركيين. وتنصّ التفاهمات بين الروس والأميركيين على تشارك المعلومات الاستخبارية حول المجموعتين التي جرى التوافق على أنهما إرهابيتان («داعش» و«النصرة»).
ووفقاً للصحيفة الأميركية فإنّ مسؤولين من القيادة المركزية في الولايات المتحدة، والقيادة في أوروبا، و«مركز دانفورد» يعملون مع «البنتاغون» حول تفاصيل عمل مركز التنسيق المشترك، بما في ذلك «طاقم المركز، واللوجستيات، وكيفية الحصول على المعلومات اللازمة لدعم توسع الضربات الجوية». وما زالت هذه الجهود تصطدم بموقف بعض مراكز القوى في «البنتاغون»، التي ترى أنّ «إنشاء المركز المشترك سيجعل المعلومات متاحةً (أمام الروس)». أمّا العائق «القانوني» الذي يستند إليه «البنتاغون» أمام التنسيق المشترك، فهو «مشروع قانون أدخله النواب في مخصصات الدفاع بعد التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، يحظر التعاون العسكري مع روسيا إلا اذا رأى وزير الدفاع ضرورته وأعلم الكونغرس بالأسباب».