للحظة انتبهت أنني أقف على شاطئ البحر المتوسط. نعم هذا هو البحر نفسه الذي تشرف عليه عكا من الجهة الأخرى. حتى أن صيادي عكا كانوا يستريحون على ميناء صيدا قبل إكمال رحلتهم إلى ما هو أبعد. ليست صيدا فقط تشبه فلسطين. أسواق جبيل كأنها أسواق القدس. المنظر الخلاب من أعلى حاريصا هو نفسه المشهد من الحدائق البهائية في حيفا. تشابهت علينا الأماكن، ولكن الفلسطيني كعادته، تلاحقه فلسطينيته أينما حل ورحل حتى لو قرر البعد عنها. بتنا هنا في جولتنا السياحية، أواخر كانون الثاني الماضي، كمن يبحَث في لبنان عن فلسطين. فلسطين الضائعة، التي لم يرها إلا عبر الصور!

كنا نضج بالحديث عن ضيق المقابر في غزة. فجأة تجد نفسك أمام مقبرة الشهداء في مخيم صبرا وشاتيلا: ضريح واحد يقطن أسفله آلاف الشهداء، المعروفون منهم والمجهولون. أمام الضريح نفسه تقف أم لثلاثة شهداء حاملةً صورة في يدها. اختصرت عليها العذابات مدة الزيارة لتقف أمام قبر واحد. اقتربت وهمست في أذن أحدنا: «الله يخليك لأمك يا ابني».
كأن مخيمات فلسطين هنا بكل تفاصيلها: مشاهد المسلحين؛ أبناء المخيم يجلسون على عتبات البيوت يرقبون العابرين، حتى مخطوطات الحائط تميّز المخيم وتعطيه طابعاً مختلفاً. ولكن الضيق يخنقهم: أسلاك الكهرباء المخيفة التي تربط بيوت المخيم ببعضها؛ البيوت كالأطفال تحشر نفسها في الشتاء جنباً إلى جنب؛ مساحة لا تتعدى ربع ملعب كرة قدم، يقيم فيها أهل المخيم أفراحهم وأحزانهم.
أما القبور فحوت أعلاماً كثيرة من شهداء الثورة الفلسطينية: المفتي أمين الحسيني، وغسان كنفاني... إلى أن تنتقل إلى مخيم برج البراجنة. لا شيء يختلف. سنتان من الغربة عن غزة في تركيا، جعلت عودتنا إليها صعبة. هو الشعور نفسه الذي وجدته في لبنان. يبدو أن فجوة عامين جعلتنا ننسى أوجه المعاناة كثيراً. كنا نعتقد أن لا عذاب أكثر من الذي في غزّة، لكن ما في لبنان أكثر.
يصر من استضافنا هنا على إعطاء وجه آخر لسياحتنا. ذهبنا إلى قلعة الشقيف، التي سمعنا أنه صمد فيها مقاتلو «منظمة التحرير» في حرب 1982. ثلاثون مقاتلًا فضّلوا الموت جميعاً على الاستسلام للقوات الإسرائيلية. أذكر تلك الحلقة التي نقلت عن الإعلام العبري، ووصفت فيها تلك المعركة بأنها من أشرس المعارك التي مرّ بها الجيش الإسرائيلي. أذكر أن الجنود قالوا إنهم كانوا يقاتلون الأشباح. صرنا نتلمس بين جدران القلعة وممراتها الضيقة خيالاتهم.
أعادت نفسي على مسمعي ما قاله الجنرال شاؤول نكديمون، «هذه الحرب كالمصيدة وقد وقعنا فيها كفئران صغيرة. في قلعة الشقيف فقد الفلسطينيون 30 مقاتلاً لكننا فقدنا خمسة أضعاف هذا العدد». كل حجر مهدم في هذه القلعة وكل غرفة داخلها تشهد على ضراوة المعركة، وعلى دم الشهداء الذي يعبّد الطريق إلى الحرية.
الجانب الآخر من هذه القلعة يطل على فلسطين المحتلة، تحديداً الجليل الأعلى، المكان الأقرب إلى فلسطين منها. نقف كسائحين أو لاجئين، بات الفرق لا يهم، ننظر إلى فلسطين، التي لم نرها إلا في الصور. كانت المسافة أقل من عشرة كيلومترات كما أخبرنا من حولنا. أشاح أحدهم بيده إلى جبل الشيخ، والمستوطنة الجاثمة هناك. في تلك اللحظة، تعرف ما معنى أن بلادك سرقت. أحدهم كان يعبث بجواله، الذي يحتوى الخط الفلسطيني، ووصلت إليه رسالة تقول: «أهلاً وسهلاً بك في إسرائيل»!
تركنا القلعة لنذهب إلى معلم آخر. صحيح أنه أبعد عن فلسطين، ولكن ما في داخله أقرب. جبل مليتا، الذي يزيد ارتفاعه على ألف متر عن سطح البحر. كان يستغرق المجاهدون أربعة أيام لصعوده، وثلاثة أيام لنزوله. المكان الذي صار معلماً سياحياً شهد على معارك كثيرة بين المقاومة الإسلامية والجيش الإسرائيلي بدءاً من الثمانينيات. بتنا نقارن بين ما نعرفه عن أنفاق غزة من صعوبة وبين إنجاز نفق في جبل. في غزة لم نعرف معنى الجبل ولا العيش فيه، فضلاً على المقاومة منه!
زيارتنا إلى لبنان تحولت إلى جولة على طريق فلسطين. تتركك هذه المشاهد التي كنت أعجز عن تصورها لتفكر كثيراً في الشهداء الذين مضوا لتحرير أرضهم. تتذوق طعم النصر هنا وتتشوق لتذوقه في فلسطين. لن أنسى ما كتب على تمثال الجندي المجهول في المخيم، «عندما تعجز الأجساد عن اللقاء، تبدأ أرواح الشهداء رحلة البحث عن الوطن، فإما عظماء فوق الأرض، وإما عظماء في جوفها، إلى فلسطين خذوني معكم»!