رد أبوه على الرقم الغريب الظاهر على شاشة هاتفه المحمول ليجد صوتاً يقول له بهدوء شديد السخرية: " أعطِ هاتفك المحمول لابنك "مروان".. إننا نريد التحدث إليه ". قبل أن ينكر الأب، أسرع المتكلم بالاستدراك: " لا تنكر وجوده بالبيت. إنه موجود ونحن نعلم ذلك. لقد أبلغنا عملاؤنا بالأمر. دعنا نتحدث إليه وإلا قصفنا منزلكم الآن على من فيه بما فيهم ابنك وزوجته وأحفادك..! ". كان ابنه ساعتها جالساً بجواره يتأمل ملامح أبيه القلقة. يسأله بالإشارات عن هوية الشخص الذي يُحَدِّثُه. كانت ملامح أبيه صفراء كوجوه الموتى. ناوله أبوه الهاتف المحمول باستسلام يائس، قائلاً له باقتضاب وكأن روحه في النزع الأخير: " كَلِّم! ".

أزيز طائرات الاستطلاع الحربية لا يتوقف. كان العدوان الإسرائيلي على غزة في يومه الثالث والعشرين، وقد جاء هو لزيارة أهله خفية، في ظل الأوضاع الأمنية الخطرة. إن ابنته الكبرى "رؤى" كانت مريضة، وهو لم يتمالك نفسه. غلبته عاطفته كأب، فقرر أن يتناول طعام الإفطار مع أسرته، وخاصة أن حدة المعارك قد خفتت قليلاً خلال هذا اليوم. لقد كان خطأ فادحاً
وضع الهاتف على أذنه ليأتيه الصوت الساخر، حازاً رقبته كالسكين، قائلاً بلغته العربية الطليقة: "وأخيراً يا "مروان"! أنت تعرف من يتحدث معك الآن: أنا الضابط "جوني" من جهاز الشاباك"، جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي. ها قد وصلنا إليك وآن الأوان كي تنتهي رحلة مطاردتنا لك، ولكن ينبغي الآن أن تقرر: هل تريد أن تنتهي هذه الرحلة بمقتلك أنت وحدك، أم بمقتل كل أفراد أسرتك معك؟؟ ".
الثواني تجري سراعاً. دقات قلبه تتسارع الآن في داخله كأنها خيول في حلبة السباق. الأفكار تتوارد إلى رأسه بسرعة جنونية. قاطع الضابط أفكاره: " لقد أراد الكثير من زملائي نهاية سريعة لك ولأسرتك، لكنني المسئول عن العملية وأردتها "تراجيدية" وبقوة: إن فررت من المنزل، فسنقصفه على رؤوس والدك وزوجتك وأطفالك. تستطيع أن تفتديهم بنفسك وأن تخرج إلى الساحة الخارجية الموجودة على بعد خمسين متراً من منزلك. إنها قطعة أرض مملوكة للحاج "أبو خيري" جاركم كما تعلم. هناك ستنال صاروخاً مباشراً من طائرة استطلاع خاصة بنا لتنهي حياتك.. ".
ازدادت نبرة السخرية في كلماته الآن: " هنيئاً لك! ستنال الشهادة وسيصبح أبناؤك "أبناء شهيد"، وستذهب أنت إلى الجنة، محمولاً إليها بصاروخ من صواريخ (إسرائيل)، ومتى؟ في العشر الأواخر من رمضان! تذكرني يا "مروان" جيداً عندما تتمتع بنصيبك من الحور العين. اثنتان وسبعون على ما أذكر؟! ".
رد "مروان" ببرود: " اسمع يا هذا: توقف عن مكالمتك البذيئة تلك وكأنك تضع نفسك مكان الله. إن كنتً تعتقد بأن موتي سيحل المسألة فأنت مخطئ: هنالك "رؤى" و"أنس" و"يامن". سيكملون الطريق من بعدي. دعنا من كثرة الكلام الآن. كم بقي لي من الوقت؟ ".
لديك خمس دقائق فقط كي تصل لقطعة أرض الحاج "أبو خيري".
اجعلها عشراً طالما أن كرمكم الحاتمي سيطاولني اليوم، وستنتهي حياتي بصاروخ طائرة استطلاع، فما الفارق بين خمس دقائق وعشر؟
جاءه الصوت باتراً ساعتها وقد تخلى عن سخريته لتظهر الشماتة واضحة: " بل هي خمس دقائق. سنبدأ بالعد التنازلي من قبلنا بعد انتهاء مكالمتي معك. لا تنسَ: لو تأخرتَ ثانية واحدة فقط، فسيموت أبوك وزوجتك وجميع أولادك. هل فهمت؟ وداعاً! ".
جاءه الصوت ليفيد بانتهاء المكالمة. لقد بدأ العد التنازلي فيما الأفكار ما زالت تتوارد بسرعة البرق: إنهم يظفرون به أخيراً بعد عشر سنوات. عقد كامل مضى من عمره وهو يتخفى ويتنقل سراً من مكان لآخر، ولا يرى أهله إلا لماماً وعلى عجل. تعرض لأربع محاولات اغتيال فاشلة قبلها. إنهم اليوم ينالون منه أخيراً. ولكن: لماذا يكلمونه؟ ألم يكن من الأفضل ان يقصفوه مباشرة كيلا يهرب؟
نظر إلى أبيه الذي اتسعت عيناه وفغر فاه وهو يسمع كلماته ابنه الأخيرة له: " هذا ضابط مخابرات إسرائيلي خيرني ما بين أن يقصف البيت ويقتلكم أو يقصفني وحدي. وصيتي لكم هي الأولاد وزوجتي "مي". اللهم اجمعنا على خير.. !". بقي أربع دقائق وعشر ثوان. اندفع إلى المطبخ: كانت زوجته واقفة هناك تكمل تحضير وجبة يدرك الآن أنه لن يتناولها أبداً. قال لها: " "مي": وصيتي لكِ أن تهتمي بالأولاد. ستفهمين كل شيء من أبي! ".
قبّلها على جبينها بسرعة. هوى الوعاء الذي كانت تحمله من بين يديها مسرعاً إلى الأرض. صرخت باسمه وهو يندفع خارجاً من المطبخ مسرعاً: " مروان"! ". كان لحظتها يقبّل ابنته "رؤى"، وهي تنظر إليه ببراءة سنواتها الثلاث عشرة، ممددة في فراشها. اندفع نحو غرفة الأولاد: قبّل "أنس" ويامن"، اللذين تأمّلاه وهو يفعل ذلك باستغراب. فتح باب البيت وأغلقه وراءه بعنف وهو يجري: دقيقتان وثلاث عشرة ثانية. بدا صوت انغلاق الباب الذي يسمعه للمرة الأخيرة وكأنه نواح عليه. تتابع خطواته القافزة المجنونة على الدرجات المؤدية للباب الخارجي. إنه يسكن في الثاني. لم يبق الكثير. دقيقة وسبع وعشرون ثانية. الشمس تقترب من المغيب الذي لن يراه بعد اليوم. صوت طائرات الاستطلاع قريب منه. كأنها تحلق بجوار أذنيه متعجلة النيل من "فريستها".
هو يجري باتجاه أرض جاره "أبو خيري". وصل هناك أخيراً. تسع ثوان بقيت لا يدرك في أي منها ستنتزع روحه.
إنه الوقت الآن! يجاهد أنفاسه اللاهثة وتعبه ويحاول الوقوف على قدميه. سيموت واقفاً. أغمض عينيه وانتظر. لم يحدث شيء. إن مواعيدهم دقيقة مثل الساعات السويسرية. غريبة! ماذا هناك؟
يدقق النظر في السماء: أي واحدة من هذه الطائرات يا ترى ستنهي حياته؟ دقيقة وخمس وعشرون ثانية بعد انتهاء الوقت الأصلي. صرخ بقوة: "أنا أنتظركم يا أبناء العاهرة! أين أنتم؟ ". لم يجبه أحد بالطبع. واقفاً هو وحده ينتظر قدره. كان يفكر: " لقد فعلوها تشفياً ولزيادة عذابي وعذاب أهلي من بعدي: خيروني ما بين حياتي وحياتهم. جعلوني أجري مهرولاً نحو مكان حتفي. والآن: إنهم يلعبون معي دور "الآلهة"، وكأنهم يقولون لي: سنقتلك كيفما نشاء ووقتما نشاء. محاولة للتباهي بهذا "الإنجاز" المسرحي في أروقة إداراتهم ".
أربع دقائق وأربع وثلاثون ثانية منذ بداية "الوقت الإضافي". كانت أنفاسه قد هدأت حدتها ووتيرتها. أزيز طائرات الاستطلاع المزعج يملأ أذنيه. إنه يشعر بإحداها تقترب. هل حان الوقت الآن؟
"بابا"!
التفت ملتاعاً إلى مصدر الصوت: كان ابنه "أنس" قد لحق به بمجرد خروجه من المنزل وها هو يعثر عليه. كان نسخة مصغرة منه بكل تفاصيله وهو في سن الثامنة. إنه يجري نحوه، فيما كانت أمه، التي خرجت ملتاعة وراءه بثياب المنزل المتسخة، تجري وراءه. أمسكت بطفلها أخيراً. بينهما عشرات الأمتار. كان ينقل النظر بينهما وبين السماء. قال لها: " خذيه بعيداً يا "مي"! بسرعة قبل..! ". لم يكمل عبارته إذ سطع برق صاروخ انفجر في المكان، تعالى بعدها الدخان والغبار عالياً ثم ساد الصمت المكان.