أحاول بكسلٍ الإمساك بخيوط النوم عند ساعات الصباح . أرقٌ يرافق ليالي منذ سنوات، وبعض الخمول الذي سببته ندرة الالتزامات الصباحية هي مبرراتي الدائمة لكسب ساعات نوم إضافية. لكن سريري المجاور لباب الردهة وحركة أمي المستمرة منه وإليه يجعل استيقاظي أمراً لا بد منه..

أفتح عيناي ببطءٍ على ما حولي، وقد ينطلق هذا السؤال مني قبل صباح الخير "ماما اجت المي؟". وحين يستمر دوران أمي بين الغرفة وصنبور الماء عشرات المرات، ويئزّ الباب خلالها أزيزه المستمر أعرف أن الماء لن يصل إلينا اليوم..
لكن قلب الأم لا يخضع بسهولة للاستسلام، تستمر الزيارات المكوكية إلى الصنبور تحت الدرج ويتخلل كل ذلك تشغيل زر موتور الماء ثم إطفاؤه بسرعة من جديد خوفاً عليه من عطب العطش..
أحاول النوم مجدداً، ليس لعدم اكتراثي ولكن لقلة حيلتي. وحين أقرر النهوض أخيراً، أعلم أن صباح اليوم التالي سيكون أقل ضجيجاً وأكثر عطشاً لأن الماء لا يُضخ إلينا إلا ساعة كل يومين.
نعم أنا أعيش في بوابة الصحراء لكن الماء موجود في القرية بالرغم من ذلك. والنقص لا يؤثر في الكل سواء بسواء.. وكل ظني أنه خطأ وإهمال من قبل المكلّف بفتح الأنابيب ضمن أحياء القرية.
لقد تكرر النقص على مدى مواسم صيف ماضية، لكن جفاف الحديقة واحتراق التفاح على شجرته الصغيرة يحكي عن انقطاع الماء هذا الصيف لأسابيع عديدة. وحين أنظر إلى هذا الذبول لا يغيب عن ذهني صوت تلك السيدة الغزاوية منذ شهرين على إحدى القنوات الإخبارية وهي تقول إن العيد لم يدخل بيتها لأن الماء لم يصل إلى الدار "والله ما حسينا بطعمة العيد".
وعندما كانت الفرحة تكتمل به دون أن نحس أو ننتبه، فإن انقطاعه كافٍ بأن يجعل المزاج جافا مالحاً، والنفس يابسة.
أقيس حاجتي للماء ليتراً بليتر وأنا أعرف أن لانسيابه من الصنبور انتعاشاً وإحساساً مختلفين، لكني لم أتوقع يوماً أن استحم بعبوة ماء 5 ليتر، أو أن تغسل أمي الأطباق ببضع عبوات صغيرة. كمان لم أعتقد يوماً أنني سأكتب عن الماء إلا في مواضيع التعبير المدرسية أو ربما لو كنت مراسلة في مناطق النزاعات والكوارث.
ولكن.. أليس هذا مجرد تفصيل بسيط من آلاف التفاصيل والأشياء التي تبدلت في حياتنا؟