كان الوقتُ ظهيرةً، هكذا أخبرنا ونحن نجلس جواره نحتسي الشاي. لم يكن يوماً مقاتلاً، أبو محمّد، كان مجرّد حدادٍ يعمل بالأجرة لدى جاره الفلسطيني؛ فأبو محمّد لبنانيٌ يسكن بين الفلسطينيين حتى اليوم في مخيّم شاتيلا، هي حالُ كثيرين. لكن القتلة لا يميّزون بين لبناني وفلسطيني، جميع من يسكن المخيّم "ممسوسون" لذلك عليهم أن يدفعوا الثمن. نجلس نشرب الشاي بصوتٍ مرتفع، الشاي الساخن دائماً يجبرك على أن تحتسيه بصوتٍ أعلى من غيره. لكن القصّة التي تروى أعلى ضجةً من أي شيءٍ آخر. دخلوا من الجهة اليمنى للمخيّم، من جوار منزل أبو صالح، صاحب الدكانة الصغيرة التي لا يدخلها الضوء كثيراً، الجميع في المخيّم كانوا يعرفونه ويعرفون دكّانه جيداً. كان أبو صالح وعائلته أوّل من قتل في ذلك اليوم المشؤوم. قال أحد "مسؤولي" التنظيمات لأبو صالح بأنه لن يحدث له شيء. كان أبو صالح لبنانياً كذلك، من بعلبك. لم يأبه القتلة بأنّه أشهر لهم هويته اللبنانية بوجوههم، لم يأبهوا بأنه صرخ بهم كثيراً بأنه لبنانيٌ مثلهم. أحدهم قال له:" انت مش لبناني ولا، انت مسلم وسخ"، وقتله. هكذا بكل بساطة.

دخل القتلة من جوار الدكانة، وقتلوا كل من كان في تلك المنازل المجاورة. بعد أربع ساعاتٍ من القتل المتواصل، تعبوا. أرادوا أن يرتاحوا ولو قليلاً. كانت الأصوات الخائفة والمرتجفة لبعض من بقي حياً تختصر كل الحكاية. كما أنَّ بقية الأحياء في البيوت التي لم يصلها القتلة بعد كانوا يصرخون كما لو أنّهم "خرافٌ معدّة للذبح"، كانت جهة المخيّم الأخرى مغلقةً بشكل تام، كل مداخله تسيّجها دباباتٌ للجيش العبري. كان الصهاينة يغلقون كل مداخل المخيّم، في حين كان المدخل الوحيد المفتوح، هو مدخل الموت: المدخل الرئيسي، المدخل الذي دخل منه قتلة القوات والكتائب اللبنانية، والآن – في ذلك الوقت - يرتاحون على أبوابه. افترش القتلة الأرض، ناموا في العراء. جلست حولهم جثثٌ مقطعة: رأسُ طفلٍ هنا، يد طفلةٍ هناك، بطنٌ مبقور. كان كل شيءٍ يوحي بمجزرةٍ مخيفة للغاية. جلس بعضهم يشرب الكحول، البعض أخذ بالغناء بصوتٍ مرتفع. أما البعض الآخر فكان يتسلى بالرسم. يذكر أبو محمّد أنَّ أحدهم أخذ يرسم بالدم على الحوائط حوله: صلباناً وكلاماً من ذلك الذي نراه في فيديوهات الحرب اللبنانية. استمرت المجزرة بعد ذلك ثلاثة أيامٍ بلياليها، قد يعتقد كثيرون بأنّ الفلسطينيين تركوا وحدهم في العراء تلك الليلة، لمواجهة مصيرهم القاتم. ذلك لم يحدث، لقد ترك كل سكانِ المخيّم –فلسطينيين ولبنانيين- لمواجهة قتلتهم وحدهم. دون أي درعٍ، دون أي وسيلةٍ للدفاع عن أنفسهم حتّى.
قبل أيامٍ من المجزرة كان معظم شباب المخيّم قد لوحقوا لأسبابٍ أو لأخرى، جرت موجةٌ من الاعتقالات، من كان قريباً من أي تنظيمٍ فلسطيني أُخذ وحُقِّق معه، كثيرٌ منهم لم يعد أبداً. لا يهم من استجوبهم، المهم أنّ هذا ما حصل، المهم أكثر أنّهم لم يعودوا. ينخفض صوت أبو محمد وهو يروي تلك الجزئية. لم يكن في المخيّم إلا بضع بنادق آلية "كلاشينكوفات"، بعض أسلحةٍ بيضاء، لكن من كان ليحملها؟ كان الجميع خائفاً. يكذب عليكم من يخبركم بأن الخوف لم يكن شريكنا اليومي. كان الجميع ينتظر أن يحضر أحدٌ ما لطلبه ثم يختفي، قد يعود، وقد لا يعود. لكن في أسوأ كوابيسنا لم نكن لنتخيّل أنَّ المخيّم بأكمله سيتعرض لمجزرة. سأخبركم شيئاً- يمسك أبو محمد بيدي منفعلاً- كنا قد عرفنا مجازر من قبل، سمعنا عنها، لكن لم نشاهدها، بعضنا قد أتى من تل الزعتر، بعضنا قد أتى من مناطق أخرى حصلت فيها بعض المجازر، لكننا لم نتوقع أبداً أن تحدث مجزرةٌ في عام 1982. كنا نعتقد أننا "متحضرون" أكثر من ذلك. هل من المعقول أن تحصل مجزرةٌ وكأس العالم تجري مثلاً؟ لم يكن أحدٌ ليعتقد ذلك. كان كل شيءٍ بالنسبة إلينا غريباً وغير متوقع. كنا خائفين؟ أجل كنا خائفين. بعد المجزرة جاء كثيرون للنواح والبكاء. أكثر ما أكلني كان أولئك الذين كانوا يصورون. أذكر أحدهم ولا أنساه حتى اليوم - يؤكد أبو محمد أنه يكره المصورين كثيراً - كان يحرّك الجثث كي يأخذ صوراً أفضل، هكذا فهمنا منه لاحقاً. لم يكن ذلك المصوّر وحده من كان يفعل ذلك، البعض كان يجلس القرفصاء بجوار الجثث ليحصل على صورٍ مؤثرة أكثر. أو يلحق سيدةً مفجوعة تبحث عن أطفالها. كان صيادو الآلام أولئك ينقّبون في أوجاعنا كي يحققوا أمجادهم الذاتية. بتُّ أكره المصورين والصحافيين بعد المجزرة كثيراً، يؤكد أبو محمد.
كان المطلوب أن يموت المخيّم. لكنهم لم يستطيعوا، ثلاثة أيامٍ من القتل المتواصل، ولم يستطيعوا أن يقتلوا المخيّم. أتتصورون ذلك؟ ينظر إلينا أبو محمد. ها نحن اليوم نجلس فوق أرض المخيّم ذاته، نستذكر أولئك الشهداء، نستذكر القتلة كذلك، أين أصبحوا اليوم؟ يبتسم أبو محمد: إما هاربين أو مطاردين أو تطاردهم أشباح من قتلوهم. أما شهداؤنا؟ فالجنة هي مآلهم، أين يذهب الشهداء إلا إلى الجنة؟