يبدو أن جلّ ما يشغل بال الأردنيين هذه الأيام أوضاعهم الاقتصادية المتدنية، لا «الردح المتبادل» بين الإسلاميين والليبراليين واختلافهم على تعريف الدولة المدنية أو معنى الانحياز إلى اليسار أو اليمين، ضمن سباق الانتخابات البرلمانية الدائر في المملكة هذه الأيام، والمفترض بدء الاقتراع فيه غدا الثلاثاء. والسبب وراء ذلك قناعة شبه راسخة في الجمهور الأردني أن البرلمان لا يملك تأثيرا حقيقيا في الحكومة، ووجوده ليس أكثر من «ديكور» يلزم لشكل الدولة.

برغم كل ذلك، ومع توسط الأردن محيطا ملتهبا إقليميا من كل الحدود، تساقطت فيه أنظمة وتغرق أخرى بالفوضى، سيتوجه الناس لانتخاب البرلمان الثالث والعشرين منذ تأسيس دولتهم، عبر خمسة مجالس تشريعية في عهد الإمارة، وسبعة عشر مجلساً منذ الاستقلال. هذه الانتخابات أُريد لها أن تبدو مختلفة عن سابقاتها، بدلالة النشاط غير المسبوق للإعلام الرسمي وللهيئة المستقلة للانتخاب، منذ أن أقرت الحكومة في 31 آب الماضي مشروع القانون الانتخابي الجديد، الذي ألغى «الصوت الواحد» وخفّض عدد مقاعد مجلس النواب إلى 130، كما أتاح للناخب التصويت لأكثر من مرشح ضمن نظام «القائمة النسبية المفتوحة».
والواضح أن «الهيئة المستقلة للانتخاب»، التي يرأسها اليساري المخضرم السابق خالد الكلالدة، مندفعة ومن خلفها مراقبون دوليون وضمانات عالية بالنزاهة، إضافة الى رهان الكلالدة على رفع أسهمه في بورصة رؤساء الحكومات.

للمرة الأولى لا يشارك «الإخوان» في الانتخابات باسمهم وبشعارهم

الإسلاميون يشاركون

هذه المرة، تلقي معظم القوى الحزبية ثقلها في الانتخابات البرلمانية، ومنها التيارات الإسلامية، كحزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذراع السياسية لـ«جماعة الإخوان المسلمون»، التي باتت غير مرخصة رسميا. وتأتي هذه المشاركة الواسعة بعد مقاطعة لنحو تسعة أعوام. وتشرح الكاتبة المقربة من الإسلاميين ربا كراسنة، أنه في الوقت الذي لم تتمكن فيه غالبية القوى السياسية والاجتماعية في المملكة من تجاوز عقبة تشكيل القوائم وفق قانون الانتخاب الجديد، فإن الإسلاميين ممثلين بـ«جبهة العمل» كانوا «سبّاقين» في تشكيل هذه القوائم، بل غطّوا جميع محافظات الأردن بعدما شكّلوا 20 قائمة انتخابية و120 مرشحا. وتتوقع كراسنة أن يشكل الإسلاميون «كتلة برلمانية في البرلمان المقبل قد تتفوق عدديا على تلك التي حظوا بها في انتخابات 1989».
لكن، هذه المرة هي الأولى التي لا يخوض فيها «الإخوان» الانتخابات النيابية باسمهم وبشعارهم، بل بقائمة تحمل اسم «التحالف الوطني»، وتمثل شخصيات سياسية ووطنية مستقلة وحزبية وشيوخ عشائر وعددا من النواب السابقين بجانب شخصيات وطنية تمثل المقاعد المسيحية والشركسية والشيشانية، إضافة إلى مشاركة شبابية ونسائية لافتة. ويبدو أنها محاولة لإعادة بناء شرعية الجماعة الأم عبر البرلمان، وخاصة بعدما تأزمت العلاقة بينها وبين السلطات عقب منح الأخيرة ترخيصا لجمعية تحمل اسم «جمعية الإخوان المسلمين» في آذار 2015 وتضم عشرات المفصولين من الجماعة الأم.
ومشاركة التيار الإسلامي بكل تقسيماته، ومنه «كتلة يقين» في الزرقاء بقيادة محمد نوح القضاة (نجل المفتي السابق للمملكة ويمثل التيار الصوفي الأشعري)، لها ما بعدها، وهذا يؤشر على تغييرات مهمة في الدولة التي باتت لا تستدعي «الإخوان» إلى البرلمان إلا «لأمر جلل»، كما يرى الكاتب حاتم بريكات، الذي ينظر إلى أن عمّان «تعلم أن منابر الإخوان التي سلمتهم إياها منذ عقود في التربية والتعليم أو المساجد، قادرة على ضبط جزء كبير من أي حركة احتجاجية مستقبلية متوقعة، باستخدام الخطاب الديني العاطفي".
ويقدر بريكات أن القرار السياسي قد يتوجه نحو «الكونفدرالية مع الضفة المحتلة في فلسطين، وفق عدد من المعطيات... والإخوان يحاولون الاستفادة واستغلال كل المساحات التي تتركها تناقضات الدولة الداخلية، لأنهم يعرفون أن السلوك السيئ ضدهم ناتج من اختلال لا من سياسة عامة، وهذا ما يبرر صمتهم أمام الاستفزازات التي يتعرضون لها، وتحويلها مباشرة لوقود يحركون به خطاب التظلم، لذلك هم ومن يشبههم في التوجهات سيدخلون تحت القبة بسلسلة من الصفقات مع المجموعة التي تريد استخدامهم كضابط لأي حركة شعبية».
وفي منافسة الإسلاميين المعارضين، تظهر الأحزاب التي خرجت من عباءة «الإخوان»، كـ«الوسط الإسلامي» الذي تأسّس في 2001، وشارك في الانتخابات السابقة، وحظي بدعم رسمي، وأيضا «المبادرة الأردنية للبناء» (زمزم) ويضم قيادات سابقة نافذة في الجماعة، بالإضافة إلى «جمعية الإخوان» التي أعطتها الدولة التمثيل القانوني، لكن، لم تشارك هذه التكتلات الجديدة (الوسط وزمزم) بقوائم كبيرة، بل كانت «متواضعة في طموحها الانتخابي»، والمتوقع أن تحاول، بمساعدةٍ من الدولة، تشكيل كتلة كبيرة بعد الانتخابات، يقول المختص في الحركات الإسلامية محمد أبو رمان، الذي يشدد على أن من المهم معرفة حجمها الانتخابي أولاً في صناديق الاقتراع.

عزوف متوقع عن التصويت

مؤخرا، أظهر استطلاع رأي للشباب الأردنيين حول انتخابات 2016، أن 47.6% منهم سيشاركون في الانتخابات النيابية مقابل 36.5% أجابوا بأنهم لن يشاركوا. والذي أجرى الاستطلاع هو مركز «عالم الآراء لاستطلاعات الرأي» ومركز «دراسات الأمة» (مقربون من الإسلاميين)، على عينة مكونة من 300 من الشباب بين عمر (18 ــ 35) عاماً، يشكلون حدا مقبولاً إحصائياً لتمثيل الشباب بهذه الفئة العمرية، كما يشكلون ما نسبته 48.5% من إجمالي عدد الذين يحق لهم الاقتراع في انتخابات 2016.
وعن المشاركة الحزبية، أظهر استطلاع «التحالف المدني لمراقبة الانتخابات الأردنية ــ راصد»، أن عدد الأحزاب التي ستشارك في الانتخابات ترشحا وانتخابا بلغ 39، بنسبة 78 % من إجمالي الأحزاب، فيما يشارك 11 حزبا عبر الانتخاب فقط، فيما وصلت نسبة المرشحين المستقلين وغير المنتمين إلى أحزاب، وصلت إلى 82%. وبينت النتائج عن الخريطة الحزبية أن المترشحين من ذوي الانتماءات الحزبية شكلوا نحو 18% من إجمالي المترشحين، بما مجموعه 234 مترشحا ومترشحة. ونسبة الذكور منهم 81.7%، مقارنة بـ18.3% للإناث. كما توزع هؤلاء على 99 قائمة في مختلف الدوائر.

«أسلحة» المرشحين

حاول المرشحون وأنصارهم استخدام عدة أساليب لاجتذاب الناخبين. أحدهم قال إن الصحابي عمر بن الخطاب جاء إليه في المنام وطلب منه الترشح للانتخابات النيابية. وآخر علل ترشيحه في محافظة الزرقاء بأن «النبي الكريم نام في إحدى مناطقها (السخنة) وهو (المرشح) جاء ليقتفي أثر النبي في أهل الزرقاء». وأول من أمس، السبت، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي خطاب لمرشح إحدى العشائر في مدينة جرش (شمال) قال فيه إنه استخار بشأن الترشح للبرلمان، فجاء إليه رجل «يرتدي الأبيض» وقال له «قم وانهض وانصر المظلومين».
الأكثر طرافة أن قناة «الجزيرة» القطرية، التي يديرها الأردني ياسر أبو هلالة (المقرب من «الإخوان»)، حذفت قبل أيام تقريرها عن الانتخابات النيابية الأردنية من قناتها في «اليوتيوب»، الذي كان بعنوان: «هل أصبحت الولائم طريق المرشّح لكسب عقول وقلوب الناخبين في الأردن؟». وفي هذا التقرير، قال مراسل «الجزيرة» في عمان، حسن الشوبكي، إن الجمهور الأردني غير معني بالانتخابات، ولا يثق في الإجراءات الرسمية، لكنه برر حضور الناس إلى المقرات والمهرجانات الانتخابية لتناول «المنسف»، الذي عادة ما يقدمه المرشحون كضيافة في ختام لقاءاتهم مع الناس.




مشاركة لافتة لليسار وللقوميين

بينما تباينت مواقف أحزاب اليسار في الأردن من المشاركة في الانتخابات النيابية في الدورتين السابقيتين (2010، و2013)، وشارك بعضها وقاطع الآخر، فإن الأحزاب القومية واليسارية أعلنت في هذه الدورة موقفاً مشتركاً بالمشاركة، لكنها لم تستطع تشكيل قوائم وطنية مشتركة، كما اتسمت مشاركتها بالمحدودة في ظل أن ثلاثة أحزاب مشاركة بصورة مباشرة، فيما اكتفت ثلاثة أخرى بدعم أشخاص أو قوائم دون مشاركة فعلية.
هذه المشاركة كانت في الدوائر الأولى في محافظات: العاصمة (حزب «حشد»، امتداد للجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين)، والزرقاء («الوحدة الشعبية»، امتداد فكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، واربد («الوحدة الشعبية» و«البعث الاشتراكي»). ويقول القيادي في «الوحدة الشعبية» فاخر دعاس، إن حملات القوائم التي يشارك فيها حزبه تركز على الملف الاقتصادي وإملاءات صندوق النقد الدولي والفساد الذي دمّر الاقتصاد الأردني، إضافة إلى القضايا الوطنية والقضية الفلسطينية، كما تتطرق في برنامجها الانتخابي إلى ملفي الحريات العامة، والتعديلات الدستورية التي أفرغت السلطة التنفيذية والتشريعية من صلاحياتها.
وبخلاف الإسلاميين واليسار، تشارك الأحزاب التقليدية الموالية تاريخيا للنظام، بالإضافة إلى اللوائح العشائرية ذات النفوذ: لكن على مستوى التيارات، تبرز بصورةٍ أكثر الشعارات العلمانية من قوى ليبرالية، والنموذج البارز عليها قائمة «معاً» المشاركة في دوائر العاصمة، ورفعت شعار «فصل الدين عن الدولة» وإقامة دولة مدنية، ما يعكس حجم التجاذب بين هذه القوى والتيار الديني المحافظ، على خلفية ما يحدث في المنطقة وصعود «الداعشية» والمخاوف المتبادلة بين الإسلاميين والعلمانيين.




التسلسل التاريخي لانتخابات البرلمان في المملكة

ــ أخذ دستور عام 1928 (القانون الأساسي) بنظام المجلس الواحد المؤلف من 16 نائبا منتخباً، يضاف إليهم بالتعيين رئيس الوزراء، وخمسة وزراء.
ــ في 1937 جرت انتخابات المجلس التشريعي الرابع ومدد له لسنتين حتى 1942 بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية.
ـــ انتخب المجلس التشريعي الخامس في تشرين الأول 1942، وأنهى مدته الدستورية ومدد له لسنتين حتى إعلان الدستور الجديد سنة 1947، وهو المجلس الذي أعلن استقلال البلاد وبايع الملك المؤسس عبدالله الأول بن الحسين في أيار 1946.
ــ بموجب دستور 1947 استبدلت المجالس التشريعية بمجالس نيابية حُدد عدد أعضائها بعشرين نائبا يُنتخبون لمدة أربع سنوات، كما شكل الدستور السلطة التشريعية «مجلس الأمة» من مجلسي النواب والأعيان، وجرى تشكيل أول مجلس أعيان في تشرين الأول 1947.
ــ انتخب المجلس النيابي الثاني (1950 -1951)، وسمي ببرلمان الضفتين بعد تعديل الدستور وقانون الانتخاب إثر الوحدة بين الضفتين (الأردن والضفة المحتلة)، وصار بموجبها عدد أعضاء المجلس 40، واستمر المجلس لغاية أيار 1951 عندما حُل بسبب انعدام التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
ــ انتخب المجلس النيابي الثالث (1951 – 1954)، واستمر حتى حزيران 1954، وفي عهده صدر دستور عام 1952، وتسلم خلال ولايته السلطة، الحسين بن طلال.
ــ في المجلس النيابي العاشر (1984 – 1989)، أعيد إلى مجلس النواب ممارسة صلاحياته بقرار من الملك، وفي آذار 1984 جرت انتخابات فرعية لملء المقاعد الشاغرة في المجلس عن «الضفة الشرقية»، كما انتخب المجلس أعضاء الضفة الغربية للمقاعد الشاغرة لها. سمي هذا المجلس (بالمجلس النيابي العاشر) واستمر حتى تموز 1988 بعدما أكمل مدته الدستورية ومدد له سنة واحدة.
ــ جاء المجلس النيابي الحادي عشر (1989 – 1993) بعد قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية المحتلة. في 31 تموز 1988 جرى تعديل على قانون الانتخاب ليناسب الوضع الجديد واقتصرت الدوائر الانتخابية في المملكة على الدوائر في «الضفة الشرقية»، ثم أجريت الانتخابات العامة في تشرين الثاني 1989، وفقا لنظام القائمة المفتوحة الذي أتاح للناخب انتخاب عدد من المرشحين مساوٍ لعدد المقاعد المخصصة لدائرته. وتشكل المجلس من ثمانين نائبا من مختلف المحافظات في المملكة تمثلت فيه عدة فئات سياسية وحزبية، وتعاقب على رئاسته سليمان عرار، وعبد اللطيف عربيات من كتلة «الإخوان المسلمون».
ــ مرحلة المجلس النيابي الثاني عشر (1993 -1997)، والثالث عشر (1997 – 2001). وأديرت انتخاباتهما بقانون الصوت الواحد المثير للجدل، وفي الأخير شهد انتقال السلطة إلى عبد الله الثاني عام 1999. في المجلس النيابي الرابع عشر (2003 – 2007)، أُجريت الانتخابات بموجب قانون انتخابات جديد زاد عدد المقاعد النيابية من 80 إلى 110، وخصص للمرة الأولى مقاعد إضافية للنساء (ستة مقاعد)، واستمر الأمر على حاله تقريبا في انتخابات المجلس النيابي الخامس عشر (2007 – 2010).
ــ انتخب المجلس النيابي السادس عشر (2010 – 2012)، في تشرين الثاني 2010 وفق قانون «الدوائر الفرعية» الذي قسم الدائرة الانتخابية إلى دوائر «وهمية» بعدد مقاعد الدائرة الأصلية. في عهد هذا المجلس جرى تعديل للدستور شمل 42 مادة كان أهمها إنشاء المحكمة الدستورية، وهيئة مستقلة تعنى بإدارة الانتخابات.
ــ انتخب المجلس النيابي السابع عشر ( 2013 -2016)، مطلع 2013 بإشراف وإدارة «الهيئة المستقلة للانتخابات». جرى التنافس للمرة الأولى على 27 مقعدا للقائمة الوطنية وفق قانون «القائمة النسبية المغلقة»، إلى جانب 123 مقعدا للدوائر المحلية ليرتفع عدد النواب إلى 150.