فشلت السعودية ودول «التحالف» بجعل الجنوب منطلقاً للتأثير على الشمال الذي لا يزال خارج قبضتها، وأخفقت الجبهات التي فتحهتا بين شطري البلد ولا سيما على جبهتي باب المندب ولحج ــ تعز، في وقت انكسرت فيه هجماتها برغم الحشد العسكري الضخم والدعاية الإعلامية الهائلة. بعد هذه الوقائع، اتضح للسعودية أنها تأخرت في التثبت من عقم الخيارات العسكرية الآتية من الجنوب لتحقيق أي منجز ضد الشمال.

انتقلت الرياض في المرحلة الأخيرة للبحث عن خيارات أخرى أكثر تعقيداً وخطورة من خلال العمل على تقديم مشاريع سياسية والدفع باتجاه التقسيم، مع الإبقاء على خيار الوحدة في دولة مركزية ضعيفة في حال استجد أي تراجع في جبهات الشمال وهو رهان «خيالي» يظلّ يراود قادة السعودية.
في هذا السياق جاءت دعوة محافظ عدن عيدروس الزبيدي إلى تشكيل «مجلس سياسي جنوبي» بعد زيارة سرية قام بها إلى السعودية والامارات، مبرراً دعوته بأنها رد فعل على إعلان «المجلس السياسي الأعلى» في صنعاء. الزبيدي قدم «إغراءً» للجنوبيين عبر هذا الطرح مدعياً أنهم جزء من النسيج الاجتماعي لدول مجلس التعاون الخليجي من جهة، ومن وجهة ثانية غلف إعلانه بمسمى مذهبي متماشياً مع سياسة السعودية القائمة على التحريض والفرقة بين المسلمين. وفور إعلان القرار بتشكيل المجلس المذكور، دعا الزبيدي الفعاليات السياسية والأكاديمية الجنوبية إلى التشاور ووضعهم بخلفيات القرار. وقد علمت «الأخبار» من مصادر مطلعة حضرت لقاءات التشاور أن محافظ عدن لا يملك رؤية شاملة ومكتملة لمشروع المكون السياسي الجديد، وأن كل ما قُدم حتى الآن، لا يعدو كونه أفكاراً أولية بحاجة لدرس عميق. ولهذه الغاية أوعز الزبيدي إلى العديد من القيادات والأكاديمين تقديم رؤى سياسية كمسودات يقوم فريقه بجمعها في ما بعد لصياغة النص النهائي لقانون المجلس السياسي الجنوبي والهدف من إنشائه والآليات التي تحكم عمله.

تبذل الامارات جهوداً لإقناع قيادات جنوبية بقبول المجلس

غير أن الصعوبة الأولى التي تواجه المكوّن السياسي الجديد هي قضية الانفصال عن الشمال، في الوقت الذي تفيد فيه المعلومات بأن دول الخليج لن تسمح حتى هذه اللحظة إلا بسقف الفدرالية في ظل حكومة مركزية. والمسألة الأخرى هي أن عيدروس الزبيدي، موظف عيّنه الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي الذي يقدم نفسه «رئيساً لكل اليمن»، الأمر الذي يضع الزبيدي في موقف حرج. ومن المتوقع أن تظهر في مراحل مقبلة من العمل الانقسامات العمودية بين المكونات والشخصيات الجنوبية بين مُطالب بانتهاز الفرصة وفرض الانفصال كأمر واقع عن الشمال، وطرف آخر يعتبر مصلحة الجنوب في الوحدة مع الشمال. مع الإشارة إلى أن السقوف المرفوعة من السعودية في الوضع الحالي، ترمي إلى إجراء اختبار أولي عبر تشكيل المجلس السياسي بانتظار تبلور رؤية واضحة للمرحلة اللاحقة (شمالاً وجنوباً) ولا سيما أن أي عقد للمجلس المذكور سيكون بيدها زمام استمراره أو فرطه، على أن تخطو الخطوة التالية بناء على مصالحها في حينها.
وعلمت «الأخبار» من مصادر مطلعة أن الإمارات تبذل جهوداً كبيرة من أجل إقناع عدد من القيادات الجنوبية التاريخية بالموافقة على المجلس خارج طرح الانفصال، أقله في الوقت الحالي. ولهذه الغاية، عمل مسؤولون إماراتيون على التواصل مع رئيس «اليمن الجنوبي» السابق علي سالم البيض الذي غادر الإمارات في الأشهر الماضية بسبب موقفه الثابت من الانفصال عن الشمال، وعدم تلقيه معاملة لائقة من الإماراتيين. وقد نجحت الاتصالات حينها بثني البيض عن مواقفه السابقة، فأصدر بياناً يؤيد فيه تشكيل المجلس متجاوزاً عقدة الانفصال السابقة، التي كان قد انقلب على تحالفاته السابقة من أجلها، إضافة إلى تلقيه «وعود تحفيزية» على المستوى الشخصي.
ويأتي إعلان الزبيدي الموالي للامارات عن نية بتشكيل المجلس السياسي في الجنوب بعدما ثبت لصناع القرار الخليجي أن اليمن لم يعد قابلاً للتطويع والوصاية. لذلك، يحاول صاحب القرار السعودي إيجاد بدائل للتعامل مع حالة الاستعصاء هذه، حيث أصبحت الحرب تشكل عبئاً كبيراً على المدى البعيد مع تراكم الانجازات اليمنية على الحدود بين البلدين.
وفي هذا الاطار، لم يعد التحذير من «خطر وجودي» و«استراتيجي» صادر عن خيال كتّاب معارضين للسعودية. انخرط كتاب سعوديون في كتابة مقالات تحذر النظام من خطورة الاستمرار في هذا الخيار الضيق الذي أوصل البلاد إلى الأفق المسدود في صراعات اليمن والعراق وسوريا، وانعكاس ذلك على الداخل السعودي بالتزامن مع تردي الأوضاع الاقتصادية الناتجة من انخفاض أسعار النفط، وإفلاس العديد من الشركات العملاقة في البلد جراء توقف المشاريع الكبرى وعجز الدولة عن دفع المستحقات المالية لتلك الشركات.
الخيارات المتاحة لدى الرياض تصب بأجمعها في تفتيت اليمن وتجزئته وإفقاده قوته الفاعلة في المنطقة وتشتيت شعبه وتوزيعه قبائل ومذاهب ومناطق، وتقسيم ثرواته الطبيعية. الشعور السعودي بوحدة اليمن خارج فلكها سيظلّ مسكوناً بالمقولات التاريخية «العائلية»، وهاجساً يتحكم في عقول العائلة الحاكمة بعيداً عن السياقات السياسية وحسابات الربح والخسارة.