انعكس التوتر الأميركي ــ الروسي الذي شهده اجتماع مجلس الأمن، الذي انعقد على خلفية الغارات الأميركية على مواقع الجيش السوري في دير الزور، على مباحثات تمديد «الهدنة» في جنيف، والتصريحات التي سبقتها من الجانبين. وبينما توالت الاتهامات المتبادلة بين العاصمتين حول مسؤولية خرق «الهدنة» والتباطؤ في تنفيذ بنود الاتفاق، جاء إعلان الجيش السوري ــ غير المسبوق ــ عن انتهاء سريان نظام التهدئة، ليوجه رسالة واضحة إلى واشنطن، تتعدى الضغط نحو إقرار تمديد «الهدنة» كما ترجمه البعض، لتفيد بأن محور دمشق وحلفائها لن يقبلوا بالألاعيب الأميركية حول الاتفاق، وهم على استعداد كامل لمرحلة انهيار وقف إطلاق النار، وما سيرافقه من اشتعال في الميدان. ويأتي الإعلان بالتوازي مع زيارة لمساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون العربية والأفريقية، حسين جابر أنصاري، إلى دمشق، للقاء الرئيس السوري بشار الأسد، وتأكيده «تصميم» طهران على «تقديم كل الدعم الممكن لسوريا في حربها ضد الإرهاب».

وتبدو أصداء رسالة دمشق وحلفائها واضحة في تصريحات المسؤولين الأميركيين، وعلى رأسهم وزير الخارجية جون كيري، التي انتقدت الإعلان السوري، بالتوازي مع التأكيد على أنها مستعدة لتمديد اتفاق وقف إطلاق النار الهش «على الرغم من جميع الانتهاكات والإعلان السوري عن انتهاء مهلة الاتفاق». وفي السياق، أشار المتحدث باسم وزارة الخارجية جون كيربي إلى أن على روسيا، بوصفها المسؤولة عن ضمان التزام الجانب الحكومي السوري، «توضيح الموقف السوري بعد بيان الجيش». كذلك أوضح كيري، خلال مؤتمر صحافي جمعه بالرئيس الفلسطيني محمود عباس في نيويورك، أنه «كان من الأفضل لو أنهم (الجيش السوري) تحدّثوا مع الأطراف التي تفاوضت لهذا الاتفاق بدلاً من التحدث لوسائل الإعلام أولاً».
وفيما كان منتظراً أن يتوصل الفريقان الأميركي والروسي إلى اتفاق يقضي بتمديد العمل بـ«الهدنة»، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية مارك تونر، أمس، أن وزراء خارجية المجموعة الدولية لدعم سوريا سيجتمعون اليوم «لإجراء تقييم لاتفاق الهدنة والوضع هناك».
وفي السياق، رأى وزير الخارجية الفرنسي جان مارك آيرولت، أمس، أنه رغم «هشاشة» اتفاق «الهدنة»، لكنه يبقى «الأساس الوحيد» للتوصل إلى تسوية للنزاع في سوريا، موضحاً أن بلاده ستقترح «إرساء آلية ناجعة لمراقبة الهدنة»، التي اتهم «نظام دمشق وحلفاءه» بانتهاكها.
وكانت وزارة الخارجية الروسية قد أوضحت، في بيان، أن عدم التزام الفصائل المعارضة بوقف إطلاق النار يهدد اتفاق «الهدنة»، مضيفة أن خروقات المعارضة جعلت التزام الجانب الحكومي بالهدنة «بلا معنى». ومن جانبه، رأى كيري أن وقف إطلاق النار «مستمر ولكنه هشّ»، مضيفاً أن قوافل المساعدات «ينبغي أن تصل إلى ثمانية مواقع اليوم (أمس)... وهذا جزء أساسي من وقف إطلاق النار الذي تم التفاوض بشأنه مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف».
وشهد أمس تصعيداً واضحاً في الخطاب الروسي تجاه واشنطن، إذ رأى رئيس إدارة العمليات لدى هيئة الأركان العامة سيرغي رودسكوي أن الولايات المتحدة وفصائل المعارضة «المعتدلة» التي تدعمها لم تنفذ أياً من التزاماتها، وعلى رأسها «انفصال تلك الفصائل عن جبهة النصرة»، مشيراً إلى أنه، على خلاف الاتفاق، «توحدّت تلك الفصائل مع النصرة، وشهدنا تحضيرات لشن هجوم مشترك بينها». ورأى أن التزام القوات الحكومية بوقف إطلاق النار من جانب واحد أصبح «دون جدوى»، بالنظر إلى «عدم مراعاة الفصائل المسلحة له»، في ظل «عدم قدرة واشنطن على الضغط على الفصائل للالتزام ببنود اتفاق الهدنة».
ولفت إلى أن المعلومات التي قدمها الجانب الأميركي حول الجماعات التي يدعمها «عامة وغير مطابقة لبنود الاتفاق»، موضحاً أنه «لا يوجد أي تنسيق في مناطق عمل تلك الفصائل، كما لا يوجد أي معلومات عن قادتها أو طريقة التواصل معها».
ولفت إلى أن القوات المعارضة لم تلتزم بالانسحاب من طريق الكاستيلو كما فعلت القوات الحكومية بالتنسيق مع الجانب الروسي، كذلك فإنها لم تنشئ نقطة تفتيش مقابلة لتسليمها إلى الهلال الأحمر السوري.
وعلى صعيد آخر، أشار الرئيس السوري، أثناء استقباله أنصاري، إلى أن «الأطراف المعادية لسوريا تستنفد اليوم كل طاقاتها وإمكاناتها من أجل استمرار الحرب الإرهابية». ورأى أن «دعم تلك الدول للتنظيمات الإرهابية يزداد كلما تمكنت الدولة السورية من تحقيق تقدم ملموس، سواء على الصعيد الميداني أو على صعيد المصالحات الوطنية». من جانبه، أكد أنصاري أن بلاده مصمّمة على المضي في «تقديم كل الدعم الممكن لسوريا في حربها المصيرية ضد الإرهاب».
من جهة أخرى، أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن قوات بلاده ستتابع تقدمها جنوباً باتجاه الداخل السوري «حتى تطهير المنطقة من المسلحين والمقاتلين الأكراد». وأوضح خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أنه «يعتزم طرح قضية إقامة منطقة آمنة شمالي سوريا، تمتد لـ1930 ميلاً مربعاً» في اجتماعات الأمم المتحدة اليوم. ولفت إلى أن «الجيش السوري الحر» المدعوم من تركيا «لا يرغب في تدخل قوات خاصة أميركية»، بسبب «سلوك المسؤولين الأميركيين الذي يزيد التوتر مع مقاتلي المعارضة».