في خطابٍ يكاد يكون الأكثر «ناريةً» له منذ بدء الحرب السعودية المستمرة على اليمن، توجه زعيم حركة «أنصار الله»، عبد الملك الحوثي، إلى «سكان الجزيرة العربية» من السعوديين، لا سيما سكان المناطق الحدودية، طارحاً عليهم إمكانية المساعدة لـ«التحرر من النظام السعودي» الذي يعاملهم مثل «مواطنين درجة ثانية».

ولعلّ رفع سقف الخطاب من قبل زعيم الحركة التي تشنّ عليها السعودية، بدعم إقليمي ودولي، حرباً منذ سنة ونصف سنة، والانتقال من حيّز الدفاع إلى الهجوم، يصيبان المخاوف السعودية في الصميم، في علاقتها بجارها الجنوبي الذي «تجرّأ» على التمرد في لحظة، وينقلان الصراع المتمادي إلى مستوى جديد، ستترافق فيه العمليات الصاروخية شبه اليومية على المناطق الحدودية مع دعوات لأهالي تلك المنطقة إلى «الانتفاض» على النظام السعودي، وهو ما لن يمرّ على الأرجح مروراً عابراً في حسابات آل سعود.
و«طمأن» الحوثي، في كلمةٍ متلفزة له يوم أمس، من سمّاهم «الشعب العربي في الجزيرة العربية»، خصوصاً في جيزان ونجران وعسير، قائلاً: «إننا لا نستهدفكم لأنكم مظلومون»، مشيراً إلى أن «النظام السعودي جرف مئات المنازل والمزارع (في تلك المناطق) ويتعامل معكم كمواطنين من الدرجة الثانية، ويتعامل مع السكان في المنطقة الشرقية كمواطنين من الدرجة العاشرة».
وتابع خطابه الذي يأتي في ذكرى «ثورة 21 أيلول» أو دخول الحركة اليمنية إلى العاصمة صنعاء عام 2014 وفي مناسبة «عيد الغدير» الدينية، بالقول إن حالة الغضب هي باتجاه النظام السعودي وليست باتجاه مواطني شبه الجزيرة العربية، قائلاً: «نحن مستعدون أن نمد أيدينا إليكم لتتحرروا من النظام السعودي».

الحوثي: النظام السعودي يتعامل مع سكان المنطقة الشرقية كمواطنين من الدرجة العاشرة

وتمثل هذه العبارة تلويحاً بنقل المواجهة إلى مرحلة العمل «من الداخل» بعدما اقتصرت على الدفاع والردّ بعمليات صاروخية على أراضي المملكة، كان آخرها إطلاق صاروخ «قاهر 1» الباليستي على قاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط، والذي قالت الرياض إنها اعترضته. ومن المؤكد أن هذا التلويح سيكون من الآن فصاعداً على طاولة الطرفين وورقة مهمة على طريق التفاوض السياسي المعلّق منذ مطلع آب الماضي.
وتطرّق الحوثي إلى قضية البنك المركزي اليمني وقرار الرئيس المستقيل عبد ربه منصور نقله من صنعاء إلى عدن، مؤكداً أن هذه الخطوة جاءت «بتوجيهات من أميركا»، على الرغم من أن المصرف كان يصرف مرتبات الجميع بمن فيهم «المرتزقة والمنافقون»، على حدّ تعبيره. وأكد أن الأميركي لا يتصرّف مع النظام السعودي كحليف، بل مثل «عبد ينفذ بغباء»، مشيراً إلى أن العدوان على اليمن «ليس عابراً، ومن المهم أن نعي جيداً ما ينبغي علينا العمل لمواجهته».
في هذا الوقت، تتنامى بصورةٍ ملحوظة الانتقادات الدولية، من قبل منظمات حقوقية وحكومات غربية أيضاً، بحق السعودية وانتهاكاتها لحقوق الانسان في اليمن. وكشفت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، يوم أمس، استخدام التحالف السعودي ذخائر «الفوسفور الأبيض» التي زوّدتها بها الولايات المتحدة، في غاراتها على اليمن. واستندت الصحيفة في تقريرها إلى صور ومقاطع فيديو نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، تُبيّن استخدام السعودية الذخائر الفوسفورية، في منطقة نجران الحدودية وحول صنعاء. وأشار التقرير إلى أن استخدام تلك الذخائر المحرمة «أثار مخاوف منظمات حقوق الإنسان من أن المواد الحارقة يمكن أن تُستخدم ضد المدنيين». ولفت التقرير إلى أنه «من غير الواضح كيف استخدم السعوديون هذه الذخائر».
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين أن واشنطن زودت السعوديين بالفوسفور الأبيض في الماضي، «لكن الحكومة امتنعت عن القول كيف أُرسلت إلى هناك أو متى». وباستطاعة هذه القذائف أن تشوّه الإنسان وتقتله عن طريق الحرق حتى العظم، كذلك تُستخدم لتشكيل ستائر دخانية في أرض المعركة.
وجاء تقرير «واشنطن بوست» في الوقت الذي يستعد فيه الكونغرس الأميركي اليوم للتصويت على مشروع قانون ينصّ على وقف صفقة بيع أسلحة أميركية للسعودية، تقدَّر قيمتها بمليار دولار، من بينها دبابات يُفترض أن تحلّ محل دبابات دُمّرت في حرب اليمن.
كذلك، وبعد سلسلة هجمات دموية قادتها طائرات «التحالف» في الاسابيع الأخيرة، بينها ما استهدفت مستشفى تابعاً لمنظمة «أطباء بلا حدود» وأخرى ضربت مدارس ومناطق آهلة بالسكان بصورةٍ لا لبس فيها، ارتفعت الأصوات المطالبة مجدداً بمساءلة السعودية حول هذه الهجمات. هكذا، شهد مجلس حقوق الانسان في جنيف دعوات من قبل الحكومة الهولندية إلى تحقيق مستقل في الخروق المنسوبة إلى «التحالف» للقانون الدولي الانساني، وذلك في ضوء الدراسة اليمنية الأخيرة التي أكدت أن غارة لـ«التحالف» من بين ثلاث تقتل مدنيين يمنيين.
وكانت منظمة «العفو الدولية» قد أعلنت، يوم أمس، امتلاكها أدلة على إلقاء «التحالف» قنبلة مصنّعة أميركياً على المستشفى التابع لـ«أطباء بلا حدود» قتلت 19 شخصاً، داعيةً إلى وقف تصدير الأسلحة إلى «التحالف».
وكان الاعتداء هو الرابع على منشآت تابعة لمنظمة «أطباء بلا حدود»، ودفع بالمنظمة الى الانسحاب من شمالي اليمن، تبعاً لما وصفته بـ«الغارات العشوائية والضمانات غير الموثوقة، من قبل التحالف المدعوم أميركياً».
(الأخبار، رويترز)