تهدد المجاعة حياة الآلاف من سكان محافظة الحديدة الساحلية غربي البلاد، بعدما تفشت في أوساط السكان الأشد فقراً الذين لم يتمكنوا من توفير أدنى متطلبات الحياة من غذاء ودواء في ظل غياب المساعدات الإنسانية والإغاثية. وأكد مصدر طبي في مستشفي «الثورة» المركزي في الحديدة رصد عشرات الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الذين قدموا من قرى نائية جنوبي المدينة، بالإضافة إلى حالات مرضية من أعمار مختلفة بدت مظاهر المجاعة واضحة على أجسادهم التي تهالكت بسبب النقص الحاد في الغذاء بما فيهم نساء وشيوخ طاعنون في السن.

ومع تصاعد ضحايا المجاعة في المناطق الواقعة جنوبي مدينة الحديدة التي تعد من المحافظات اليمنية الأشد فقراً، حذر مكتب الصحة العامة والسكان في المحافظة من «كارثة إنسانية» قد تحل بسكان مديرية التحيتا الواقعة جنوبي المدينة، مناشداً في الوقت نفسه المنظمات المحلية والدولية العاملة في المجال الانساني بتحرك عاجل لانقاذ سكان عدد من القرى في المديرية التي اجتاحتها المجاعة. وأكدت مؤسسة «رصد» للحقوق والحريات العاملة في الحديدة في إحصائية صادرة عنها، أن 70% من سكان سبع قرى غربي المديرية معرضون للموت الحتمي حال عدم إنقاذهم من خطر المجاعة والأمراض المتفشية نتيجة عدم وجود مياه شرب نظيفة، إضافةً إلى الفقر المدقع الذي يعيشه قرابة ستة آلاف شخص. وحذرت المنظمة المحلية من تزايد عدد الوفيات في الأطفال وكبار السن، مشيرةً إلى أن تلك القرى تشهد حالات وفاة شهرية وصلت إلى ثمانية أشخاص كمعدل للوفيات أغلبهم من الأطفال والنساء الحوامل.

فقد أبناء تلك القرى مصادر دخلهم بعد تعرض قواربهم للقصف الجوي

وطالب رئيس السلطة المحلية في مديرية التحيتا حسن هنبيق كل الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية بسرعة إنقاذ ما يزيد على خمسة آلاف إنسان يتعرضون لخطر الموت بسبب المجاعة والمرض الذي قال إنه فتك بالكثيرين منهم في المديرية التي يبلغ عدد سكانها 69.814 نسمة. وأكد هنبيق أن الكثير من أبناء قرى البعقة والذكير وسبع قرى أخرى انتشرت فيها المجاعة كانوا يعملون في مجال الصيد التقليدي وفقدوا أعمالهم بسبب الاستهداف الممنهج من قبل طيران «التحالف» للصيادين اليمنيين في سواحل البحر الأحمر. وأفاد بأن العشرات من أبناء تلك القرى فقدوا مصادر الدخل الرئيسي وتعرضت قوارب الصيد التابعة لهم للقصف والتدمير من قبل «التحالف» في ميناء الحيمة الساحلي، ما أدى إلى فقدان مصادر دخلهم، لتتردى أوضاعهم الانسانية وصولاً إلى تفشي المجاعة في أوساط أسرهم بعدما عجزوا عن توفير أدنى متطلبات البقاء.
تقرير صادر عن وفد طبي زار المناطق الموبوءة بالمجاعة وأمراض معدية أخرى، أكد أن قريتي البقعة والذكير جنوبي الحديدة تضمان عشرات الحالات من المصابين بأمراض سوء التغذية أغلبها وصفت بالحادة. وأوضح تقرير الوفد الطبي الزائر أنه استطاع إجراء فحوص طبية لـ80 شخصاً في قريتي الذكير والبقعة الشمالية اللتين تقعان على الساحل غربي المديرية، أكدت نتائجها إصابة 27 حالة بسوء التغذية ومنهم حالالت سجّلت على أنها «مجاعة متقدمة». ويقتضي علاجها الاستمرار لمدة 92 يوماً على الأقل.
وأكد التقرير أن من بين المصابين بسوء التغذية أطفالاً وكبار السن ونساء حوامل، الأمر الذي يستدعي سرعة علاج تلك الحالات تجنباً لآثار المرض على الأجنة. وأورد التقرير أن 80% ممن جرى فحصهم مصابون بأمراض جلدية وفطريات وصفها بـ»الجرب»، وأن هذا المرض ينتشر بين كل الفئات العمرية من أطفال وشباب ونساء وكبار السن في القريتين، وطالب الفريق بسرعة نزول حملة طبية بصورةٍ عاجلة إلى تلك القرى التي وصفت بالموبوءة.
وباستثناء منظمة «اليونيسيف» التي تجاوبت مع مناشدات اطلقها عشرات الناشطين في الحديدة، لم تتدخل أي منظمة انسانية حتى الآن لانقاذ سكان قرى مديرية التحيتا من الجوع وتقديم المساعدات الغذائية والدوائية، ما دفع بعدد من العاملين في المجال الإنساني إلى إطلاق حملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لجمع مساعدات انسانية للمتضررين من المجاعة وانقاذ المئات من الاطفال الذين يعانون سوء التغذية الحاد. وفيما وعد مكتب الصحة في الحديدة بإرسال فرق طبية ضمن حملةٍ شاملة لقرى ساحل مديرية التحيتا، طالبت مؤسسة «رصد» للحقوق والحريات بضرورة توزيع مواد غذائية ودوائية لمختلف القري الأشد تضرراً بالمجاعة والأمراض المتنوعة الواقعة في نطاق المديرية.
وكان رئيس عمليات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، جون غنغ، قد حذر أخيراً من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن نتيجة استمرار الصراع الذي وصفه بإحدى أكثر الأزمات الإنسانية الشديدة في العالم. وأشار إلى أن النزاع القائم منذ منتصف شهر آذار العام الماضي تسبب في وقوع أكثر من 13 مليون يمني في الحاجة إلى مساعدات إنسانية فورية منقذة، منهم أكثر من 7.6 ملايين شخص يعانون شدّة الافتقار إلى الأمن الغذائي، بالاضافة الى ارتفاع عدد الأطفال الذين يعانون سوء التغذية إلى 1.3 مليون منهم 320 ألف طفل يعانون سوء التغذية الحاد.