أعلنت حركة «أنصار الله» تاريخ دخولها إلى العاصمة صنعاء في 21 أيلول 2014، ثورةً جاءت نتيجة مشروع عملت عليه الحركة اليمنية منذ أكثر من عقدين.

في حينها، جرى اعتراضها بالأدوات الممكنة، وبعد محاولة احتوائها إثر وصولها إلى صنعاء، جرت مواجهتها وإعاقتها باستخدام أوراق شتى كان آخرها استقالة الحكومة والرئيس، ومن ثم صياغة خطوات العدوان الذي انفجر في شهر آذار اللاحق.

جذور «21 سبتمبر»

يمكن القول إنّ ما جرى في ذلك اليوم، يعود إلى لحظة أطلق فيها مؤسس «أنصار الله» السيد حسين بدر الدين الحوثي، بالشعارات التغييرية في جبال مران. ثم توالت الحروب منذ عام 2004، حتى حرب عامي 2009 ــ 2010، التي انتهت بتوسع ملحوظ لحركة «أنصار الله» في أوساط المجتمع اليمني، ليجد النظام الحاكم نفسه في مأزق أمام التزاماته تجاه الوصاية والمشروع الأميركي في المنطقة، الأمر الذي أنتج صراعات بدت خفية في بداية الأمر بين طرفي النظام (حزب «المؤتمر» – حزب «الإصلاح»).
ومطلع عام 2011 مع موجة «الربيع العربي»، جرى إعادة تشكيل توازن القوى داخل الدول العربية المستهدفة التي وصلت إلى حالات اللاإستقرار واللاقوة واللادولة. يمكن القول إن هذا المشهد، ساعد الحركة اليمنية على تأسيس قواعدها والانطلاق، فالأحداث التي شهدها اليمن خلال عام 2011، انتجت واقعاً جديداً على كل المستويات، وبالقدر الذي أثرت فيه على أداء أجهزة الدولة وأنهكتها، أضعفت القوى الحاكمة وفككتها وصنعت فجوة كبيرة بينها أوصلتها إلى حالة حرب انتهت بقطيعة شبه كلية، وهو ما ترك مساحة واسعة للقوى الفاعلة الأخرى كي تكون حاضرة.

قتال التكفيريين في الشمال

ثمة من يقرأ ما جرى قبل سنتين، على أنه حرب بدأت من منطقتي دماج وكتاف وانتهت بسقوط صنعاء، وهو ما يستدعي الإشارة إلى أن معارك تلك المناطق، التي تلت «انتفاضة فبراير»، كانت أقرب إلى محاولات سعودية وأميركية لاحتواء حركة «أنصار الله»، لكن نستطيع أن نقول إن الحرب التي بدأت من دماج فتحت للتغيير باباً واسعاً لمواجهة النظام ومحاربة أدواته التكفيرية لا بل اقتلاعها، بعدما زرعها من صعدة حتى البيضاء وسط البلاد.
بدأت حرب دماج الأولى عام 2012 بالتزامن مع الإعداد لمؤتمر الحوار الوطني، وكانت دماج «محمية» تكفيرية وهابية وسط صعدة، جرت زراعتها في تلك البقعة لإشعال حرب طائفية عبر تعبئة عقائدية دخيلة على المجتمع ممولة سعودياً منذ بدء تأسيس معهد دماج بقيادة مقبل الوادعي.
إلا أن الوعي المقابل عزل جماعة معهد دماج لعقود عن البيئة المحيطة. هذه الورقة جرى استخدامها في توقيت كان المخطط يقضي فيه ببدء خلق البلابل شمالي اليمن، حيث معقل «أنصار الله»، لإلهائهم عن تحركاتهم السياسية التي كفلتها لهم أجواء «الحوار الوطني». حينها، بدأ معهد دماج بنصب المتاريس في الجبال، وبدأ يُظهر عناصره بالسلاح.

ترك إنهاك القوى التقليدية بعد عام 2011 مساحة لعمل «أنصار الله»

حرب دماج الأولى سرعان ما خمدت بوساطات وتعهدات والتزامات، لكنها في منتصف عام 2013 عادت من جديد. حينها صار معظم الوسطاء مساندين وداعمين للتكفيريين في دماج واشتغلت الالة الاعلامية السعودية على نحو واضح في صفهم، وبالتزامن تحرك حزب «الإصلاح» وأدواته في شن حرب على صعدة وحصارها من جهة، حرض وحوث والجوف، إلى أن خرج مركز آخر للتكفيريين من صحراء كتاف شمال شرق صعدة، احتشد الدعاة السعوديون في نجران لمؤازرته.
ثم سقطت كتاف وفر التكفيريون بعد المعركة، ما أدى إلى سقوط دماج. ولعل سقوط مركز التكفيريين في كتاف وهروبهم باتجاه الجوف وأم الرياح، خففا كثيراً من اعباء المعركة الحاسمة وهي في طريقها لانهاء وجود التكفيريين في المناطق الشمالية، فتمكن المقاتلون من الهجوم باتجاه حرض وقفلة عذر وحوث (مناطق شمالية حدودية). وبرغم الوساطات والضمانات والمناشدات التي أطلقها زعيم «أنصار الله» لآل الاحمر بفتح الطريق وإيقاف الاعتداءات على المسافرين ونهب الشاحنات، إلا أن الإصلاحي حسين الأحمر استقدم الى حوث والعصيمات عناصر من «القاعدة» في وقت كانت لا تزال فيه دماج وكتاف تقاتلان، الامر الذي جعله بعد سقوطهما مكشوفاً لا ظهير له من قبائل حاشد ولا حتى من العصيمات. وبعدما كانت راية القاعدة ترفرف في نقاط حوث والعصيمات، انكفأت المجموعات التكفيرية عنها، قبل أن تسقط «امبراطورية» آل الاحمر التي ظلت تحكم عبر حاشد والعصيمات اليمن على امتداده.
حينها، كانت مناطق حرض وعذر وعبس وعاهم وطريق حوث ــ حرض الدولي تتطهر للمرة الأولى من ظلام الموت الذي كان يسيطر على الطريق الدولي المهجور لعقود، ليصبح ممراً آمناً.

معركة عمران

ثم جاءت معركة عمران (شمالي صنعاء) التي كشفت الكثير من الخبايا. فبمجرد أن اشتعل فتيل المعركة بين حشود «أنصار الله» وقوات العميد حميد القشيبي قائد اللواء 310 الذي كان قوامه من «الإصلاح» وأتباع علي محسن وآل الأحمر، ظهرت على السطح مواقف علنية داخلية وخارجية وتحركات دولية. المواقف الداخلية كان أبرزها موقف حزب «الإصلاح»، الذي حرك عناصره التكفيريين للسيطرة على أبين جنوباً، مستغلاً ضعف الدولة، وحين تحرك الجيش لقتال «القاعدة» في أبين طالب بتركه والتفرغ لقتال «أنصار الله» في عمران، كما أشعل جبهة في الجوف، وفي الوقت نفسه تحرك مجلس الأمن والأمم المتحدة، التي أرسلت مندوبها جمال بن عمر وجاء سفراء العشر الراعية للمبادرة الخليجية، وصدر قرار من مجلس الأمن ضد «أنصار الله».
معركة عمران التي وقف معظم سكانها إلى جانب «أنصار الله» خلالها، اندلعت إثر رفض علي محسن الأحمر تغيير المحافظ وتغيير القشيبي، بحسب مطالب شعبية واسعة امتدت على مساحة المحافظة، وانتهت بسقوط ذلك الثلاثي وتحرير المحافظة وانهيار اللواء 310 ومقتل القشيبي.
اللافت في ذلك الحدث المحوري أن هادي توجه صبيحة سقوط عمران إلى مبنى المحافظة معلناً عودة المحافظة إلى حضن الدولة، بعدما كانت لسنوات خارج سيطرتها. ما يعني أنه اعتراف بـ«تحرير عمران»، بعدما كان متذبذباً خلال المعركة ويستخدم الطيران للقصف، ويشدد على أن صنعاء «خط أحمر».
أشهر قليلة تزامن فيها الحراك السلمي مع التحرك الشعبي في مداخل العاصمة، مع تحرك دولي تمثّل في وساطة المبعوث الدولي السابق جمال بن عمر الذي تنقل مراراً بين صنعاء وصعدة، محاولاً أن يتفادى سقوط صنعاء بيد «أنصار الله»، عبر تلبية المطالب التي كانت في حينه تتمثل بتغيير الحكومة لتشكيل أخرى تستطيع تنفيذ مخرجات الحوار بعد فشل حكومة أحمد باسندوة، وتنفيذ مخرجات الحوار، والتراجع عن رفع الدعم عن النفط، لكن هادي لم يكن صاحب القرار، لأن خلفه ضغط السعودية والولايات المتحدة.
دخل "أنصار الله" صنعاء بعد أشهر قليلة من الاحتشاد حولها. وفي غضون معركة ثلاثة أيام فقط، انتهت بهروب علي محسن الأحمر من اليمن، استطاع أن يصل جمال بن عمر يومها إلى لمّ شمل القوى اليمنية حول اتفاق «السلم والشراكة»، الذي جرى توقيعه في حينه ورحبت به دول الإقليم ومجلس الأمن وتشكلت على أثره حكومة خالد بحاح التي سرعان ما انفرطت مع هادي بقرار خارجي لشن العدوان المستمر.