أثارت اعترافات الضابط الإسرائيلي الرفيع عاموس لفينبيرغ خلال لقاء مع القناة الثانية في التلفزيون العبريّ، عاصفةً في إسرائيل، خاصة بعدما أكد أنه أفشى الأسرار العسكريّة «الأكثر قدسيّةً» لدى جيش العدو، في ظل أن المُحققين السوريين تمكنوا، كما قال للقناة الثانية، من إقناعه بأنّ إسرائيل أُزيلت عن الخريطة، وأنّه بدأ يشعر بأنّ ما يبوح به من أسرار مهمّة لن يؤثّر في مجريات الأمور.

قائد لفينبيرغ السابق، الذي قدّر أنه فُقد في الحرب، تمنّى أنْ يكون قد قُتل في المعركة، لأنّ وقوعه في الأسر يعني أنّ «أسرار إسرائيل الأكثر حساسيّة ستتعرّض للخطر». ولفت إلى أنّ السوريين ــ بعدما اكتشفوا أنّ بين أيديهم «الصيد الثمين» ــ استدعوا بسرعة محققين من الاتحاد السوفايتي إلى دمشق، كي يحصلوا على معلومات سرية جداً عن إسرائيل.
وفي بداية التقرير التلفزيوني، أكّد عدد من الضباط الذين خدموا مع لفينبيرغ، أنّه كان خارق الذكاء، وكان كافياً أن تُعطيه رقم لوحة السيارة ليقول لك مباشرةً من هو صاحبها. ضابطٌ أخر أكّد للتلفزيون الإسرائيلي أنّ نظراء لفينبيرغ في الوحدة السرية حاولوا قدر الإمكان إخفاء الأمور عنه، لمعرفتهم بذكائه، ولكنّه «كان دائماً يعرف ويعلم المزيد والمزيد».
أربعة أشهر بالتمام كان لفينبيرغ «ضيفاً» فيها على المخابرات السوريّة والروسيّة، وأفشى خلالها بكلّ الأسرار التي يمتلكها: من يتنصت على من؟ من أين إسرائيل تتنصت؟ وما هي المواقع الحساسة للجيش الإسرائيليّ أو المهمّة جداً للأجهزة الأمنيّة؟ من هم الجنرالات في الجيش؟ وأسرار أخرى، لم يُكشف عنها كلها في اللقاء، بسبب مقصّ الرقيب العسكريّ.

أجمع الضباط المتابعون لقضيته على أنه كان يجب أن ينتحر

وذكر التقرير أنّ المُحققين من دمشق وموسكو، منحوا الضابط الإسرائيليّ أوراقاً وأقلاماً وطلبوا منه كتابة جميع المعلومات التي يعرفها، وهو كتب مئات الأوراق التي كشفت أهمّ أسرار إسرائيل ولا يعرفها إلّا قلّة قليلة من جنرالات الجيش وعدد من القادة السياسيين.
«الأضرار التي ألحقها الضابط لفينبيرغ بدولة إسرائيل لم تحدث قبله ولا بعده»، قال ضابط رفيع المُستوى كان يخدم مع «بائع الأسرار». وتابع: «رجلٌ من هذا القبيل، سبّب أضراراً لا تُعَدّ ولا تُحصى للأمن القوميّ الإسرائيليّ، يجب أنْ يوضع في غرفةٍ وحده، ثمّ تزويده بمسدس محشوّ بالرصاص كي يُنهي المهمة، أيْ ينتحر». وشدد هذا الضابط على أنّ الاستخبارات العسكريّة رغم مرور 43 عاماً على القضيّة، «يجب ألّا تُسامح لفينبيرغ على فعلته السوداء».
لكن لفينبيرغ قال إنّه كان ابناً وحيداً لأمّه، وعاش دون والدٍ، والمُجرم الحقيقيّ، على حدّ تعبيره، ليس هو ولا أفعاله، بل «الضابط أوْ الضباط الذين قرروا إرساله إلى جبل الشيخ»، حيث وقع هناك في أسر الجيش السوري. وكشف أيضاً النقاب عن أنّه فكّر عدّة مرّات في الإقدام على الانتحار، بل حاول الانتحار، ولكنّه رفض الإدلاء بمعلومات أخرى عن تلك المحاولات ودون أنْ يُفصح عن السبب.
في التقرير، تبين أنّ الأسرار التي باح بها للجيش السوريّ استغلها مباشرة سلاح الجوّ التابع للأخير خلال حرب أكتوبر 1973. أحد الجنرالات المُتقاعدين في جيش العدو قال للتلفزيون الإسرائيليّ إنّه فجأةً اختفى الجنرالات السوريون عن خطوط التنصت، كذلك فإنّ الضباط من الدرجة الأولى والثانية اختفوا أيضاً، الأمر الذي سبّب لنا أضراراً فادحةً في مواجهة الطيران السوريّ خلال الحرب، وقد أبلى بلاءً ممتازاً، وفاجأنا مرّة تلو الأخرى. ويستدرك: «فقط بعد صفقة التبادل وعودة لفينبيرغ، عرفنا السبب».
جنرال آخر في التقاعد وصف القضية بأنّها أخطر قضية تجسس وقعت إسرائيل فيها «ضحية» منذ إقامتها على أنقاض القرى الفلسطينية عام 1948، لأنّ «كمية المعلومات وجودتها (من لفينبيرغ) لا يُمكن حتى اليوم تقدير الأضرار التي نجمت بسببها، وربمّا لا تزال، على الأمن القوميّ للدولة».
بعدما وضعت الحرب أوزارها، تمّت صفقة تبادل أسرى بين سوريا وإسرائيل من جهة، وبين مصر وإسرائيل من جهة أخرى. في تل أبيب كانوا ينتظرون ليعرفوا هل مات لفينبيرغ أمْ أنّه على قيد الحياة، لكن عندما رأوه ينزل من الطائرة، شدّد المُراسل الذي أعدّ التقرير، على أنهم علموا أنّ الاستخبارات الإسرائيليّة في ورطةٍ. وبعد عدّة أيّام، قال الضابط الذي كان مسؤولاً عن التحقيق مع لفينبيرغ، إنه نقل إلى بيتٍ سريٍّ في تل أبيب، وهناك على مدار أربعة أشهر جرى التحقيق معه.
أضاف المُحقق، وهو برتبة ميجر ــ جنرال، «علمتُ فوراً أنّه أفشى بكلّ ما يعرف من أسرار مهمة للسوريين... رئيسة الوزراء (آنذاك) غولدا مائير، طلبت أنْ تجتمع به، وفعلاً قدمت إلى البيت السريّ وتحدثت إليه»، مشيراً إلى أنّ لفينبيرغ كان يجب أنْ ينتحر «ليمسح العار عنه وعن الاستخبارات العسكريّة وعن الدولة».
والجدير بالذكر أنّ التقرير الذي أثار عاصفة في صفوف الاستخبارات العسكريّة، تعمّد عدم نشر أيّ تفاصيل شخصيّة عن أسير الحرب الذي «باع» أسرار إسرائيل لسوريا، بما في ذلك سنّه، وهل هو متزوج ولديه أولاد، أوْ أين يسكن؟ لكنّ ليفنبيرغ، خرج إلى الضوء لنحو عشرين دقيقة بعد 43 عاماً بعيداً جداً عن النور، وعاد إلى العتمة الحالكة التي عاش ويعيش فيها. أما السؤال الذي بقي مفتوحاً، فهو: هل المعلومات التي باح بها غيّرت مجرى حرب 1973؟