يستمر النظام البحريني في إجراءاته القمعية، متعامياً عن حقيقة الأوضاع في المملكة الصغيرة بعد خمس سنوات ونصف من الثورة السلمية. لا يأبه آل خليفة للأصوات الآخذة بالتصاعد مجدداً ضد خطواتهم، وآخرها تقرير الاتحاد الأوروبي الذي اتهم الحكومة بأنها لم تنفذ «الشروط اللازمة لتحقيق المصالحة الحقيقية».

حالة المكابرة التي يعيشها النظام منتشياً بدعم من السعودية، جسّدتها قراراته «الانتقامية» بحق قوى المعارضة، بدءاً من الحكم بسجن رئيس جمعية «الوفاق»، الشيخ علي سلمان لتسع سنوات، ثم قرار نزع الجنسية عن المرجعية الدينية الأهم في البلاد، الشيخ عيسى القاسم وملاحقته قضائياً، إضافة إلى ملاحقة بعض المشايخ المعارضين، وحصار القرى وأهمها قرية الدراز المستمر منذ ثلاثة أشهر، وصولاً إلى تأييد قرار حلّ جمعية «الوفاق».
القضية الأخيرة كان أول فصولها قرار المحكمة الكبرى الإدارية في 17 حزيران الماضي، بغلق جميع مقارّ «الوفاق» المدعى عليها، والتحفظ عن جميع حساباتها وأموالها الثابتة والمنقولة وتعليق نشاطها، وكذلك تعيين مكتب الجمعيات السياسية في وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف حارساً قضائياً عليها إلى حين الفصل في القضية.
وجاء هذا القرار بناءً على طلب وزارة العدل التي اتهمت «الوفاق» بأنها «قامت بممارسات استهدفت، ولا تزال تستهدف، مبدأ احترام حكم القانون وأسس المواطنة المبنية على التعايش والتسامح واحترام الآخر، وتوفير بيئة حاضنة للإرهاب والتطرف والعنف، فضلاً عن استدعاء التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي».
أمّا محكمة الاستئناف المدنية في البحرين، فقضت بعد عدة جلسات استئناف بعدم قبول الاستئنافين المسجلين اللذين تقدمت بهما «الوفاق» لوقف الأحكام الصادرة بحقها، ثم أيّدت الحكم القضائي الصادر في 17 تموز الماضي بحلّ «الوفاق»، لأن الجمعية «انحرفت في ممارسة نشاطها السياسي إلى حدّ التحريض على العنف وتشجيع المسيرات والاعتصامات الجماهيرية بما قد يؤدي إلى فتنة طائفية في البلاد».
في هذا السياق، نقلت صحيفة «الوطن» البحرينية عن مصادر أن القرار يأتي لأن رئيس الجمعية، الشيخ علي سلمان، قد صدر بحقه حكم قضائي يقضي بالسجن، وانتهاء ولايته في رئاسة «الوفاق». لكن المسؤول الإعلامي في «منتدى البحرين لحقوق الإنسان»، باقر درويش، رأى أن هذا الاحتجاج يخالف المادة 62 من القانون المدني المحلي، الذي ينص على أن «للجمعيات الشخصية الاعتبارية، التي يمثلها رئيسها، ويكون هو الممثل القانوني أمام القضاء أو مؤسسات الدولة وغيرها». وأوضح درويش أن الحكم «اعتبر أن لا صفة قانونية للشيخ علي سلمان الذي صدر بحقه حكم جنائي غير بات نهائياً، لذا لا يعتبر أنه فقد هذا المركز القانوني».
وفيما تعرف المحكمة أن «قرار السلطة نهائي بحلّ الجمعية»، بيّنت أنه يحق لهيئة الدفاع الطعن بالحكم أمام محكمة التمييز خلال 45 يوماً بشأن رفض الاستئنافين لرفعهما من غير ذي صفة. لكن السلطات طوال البت في القضية وجلسات الاستئناف، مارست ضغوطاً على فريق الدفاع لمنعه من تقديم أي دليل مادي يبطل الاتهامات «الباطلة» أساساً.

مُنع فريق دفاع «الوفاق» من تقديم أدلة تبرّئ الجمعية

وقبل يومين من قرار «الاستئناف»، كشف المحامي محمد أحمد عن أن فريق الدفاع عن «الوفاق» تقدم عبر لائحة الاستئناف بطلب التصريح لهم بدخول مقر الجمعية للاطلاع على الأوراق والملفات التي تتضمن مستندات الدفاع واستخراجها لتقديمها كبيّنات، ولدحض ادعاءات الوزير المدعي، لكن السلطات المختصة لم تنظر في طلب الدفاع. وأضاف أحمد أنهم أوضحوا للمحكمة أنه من دون المستندات، لا يستطيع الدفاع أن يقدم أي دفاع حقيقي على الوجه الأكمل والقائم على حقائق مسندة.
من هذا، يمكن الحكم بأن نظام آل خليفة يدرك أنه بخطوته التصعيدية الجديدة يضرب آخر الفرص لإمكانية توفير فرص مناسة للحوار مع المعارضة التي تمثل «الوفاق» العصب الأساسي فيها. كذلك يأتي قرار حل الجمعية كـ«فزاعة» في وجه من بقي من جمعيات معارضة قد تلقى المصير نفسه إذا لم تستكن لأوامر حاكمي البحرين.
في المقابل، شدد بيان الاتحاد الأوروبي، المتزامن مع قرار المحكمة، على أن الحكومة البحرينية «لم تحقق الشروط اللازمة لتحقيق المصالحة الحقيقية والدائمة»، داعياً «السلطات البحرينية إلى الوصول إلى المعارضة للعمل على مشاركة بناءة في عملية مصالحة وطنية حقيقية وحوار دون شروط مسبقة وبطريقة سلمية، واتخاذ تدابير بناء الثقة معها، بما في ذلك الإفراج عن جميع النشطاء السلميين».
تعقيباً على ذلك، قال نائب الأمين العام لـ«الوفاق»، الشيخ حسين الديهي، إن إقدام السلطات البحرينية على حلّ «الوفاق» وتصفيتها بصفتها أكبر تنظيم سياسي في البحرين «خطوة خطيرة بإعلان حالة الاستفراد المطلق وإعلان حكم العسكر وتغييب الدولة الحديثة». ‎وشدد الديهي على أن «البحرين اليوم دخلت في نفق مظلم أكثر ضيقاً من السنوات الماضية بعد الإجهاز على العمل السياسي والقضاء التام على مؤسسات المجتمع المدني وتسيد حالة الاضطهاد الطائفي في كل مفاصل البلد».
كذلك، أكّد الأمين العام لـ«جمعية العمل الوطني الديموقراطي ــ وعد»، رضي الموسوي، أن قرار حلّ «الوفاق» وتصفيتها تقويض للعمل السياسي العلني المصرح به، وتعقيد للأزمة المستفحلة منذ أكثر من خمس سنوات ونصف. ولفت في تصريح لـ«الأخبار»، إلى أن «الحل ليس بإغلاق الوفاق وتشميع مقارّها ومصادرة موجوداتها الثابتة وغير الثابتة، بل بالجلوس إلى الحوار ووضع كل عناصر الأزمة على الطاولة والبدء بمرحلة جديدة عنوانها الواسع الانفراج الأمني والسياسي في البحرين».
وشدد الموسوي على أنه بالنسبة إلى المعارضة، يمكن وصف المعطيات الراهنة بمرحلة الدولة الأمنية التي أعقبت الانقضاض على دوار اللؤلؤة في آذار 2011، مضيفاً: «ما نشهده اليوم فصل جديد متقدم من طريقة التعاطي الرسمي مع قوى المعارضة الوطنية الديموقراطية التي كانت الوفاق العمود الفقري لها». وتابع: «المعارضة، ومنها جمعية وعد، تطالب بتبريد الساحة المحلية حفاظاً على السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي... يجب الإفراج عن جميع معتقلي الرأي ورفع الحصار عن قرية الدراز المستمر».
إلى ذلك، قالت منظمة العفو الدولية إن تأييد حلّ «الوفاق» هو «هجوم صارخ على حرية التعبير وتكوين الجمعيات ومحاولة وقحة لقمع الانتقادات للحكومة في البحرين». وفي ردّ على قرار تأييد حل «الوفاق»، أكّد مدير البحوث في «العفو» الدولية، فيليب لوثر، أن «السلطات البحرينية لم تقدم أي أدلة موثوق بها على أن «الوفاق» قامت بأي شيء، سوى أنها حركة معارضة سلمية تسعى إلى الإصلاح في مواجهة القمع الحكومي المتزايد».