كانت جدتي سودة قليلة البكاء. لربما لأنّها كانت ترسم لنا دائماً تلك الشخصية القاسية الجبارة القادرة على فعل أي شيء. فهي ومنذ فتوتها في فلسطين لم تشهد يوماً إلا واحتاجت فيه إلى قوتها. فالفتاة الفلسطينية التي تنشأ في مجتمعٍ ريفي كانت تحمل على عاتقها كثيراً من مهمات تجعلها مساوية لأشقائها ولا تقل عنهم أبداً. كانت سودة ومنذ فتوتها قادرةً على الفلاحة والزراعة والانتباه للحيوانات والحظائر. كل هذا أورثها قسوةً قد تبدو مبالَغاً فيها للبعض، بالنظر إلى حقيقة كونها أنثى جميلة القوام، زرقاء العينين. مع مرور الأيام، الخروج من فلسطين، العذاب، والحياة في المخيّم باتت أشبه بحائطٍ من الأحزان.

كان في غرفة جدتي على الحائط صورةٌ قديمةٌ لرجل مسنٍّ يحمل بارودةً عتيقة من نوع "وينشستر". لم نكن نعرف ذلك بالطبع، لكن جدتي كانت تعرف، وكانت تروي حكاية تلك البندقية التي اشتراها جدّها الماثل في الصورة من رجلٍ إنكليزي كان يحتاجُ إلى دابة لتنقله، فأعطاه جدها حصاناً وأخذ منه البندقية في المقابل. جدها ظل حتى مماته يسخر من الرجل الإنكليزي، فكيف يفرّط رجلٌ ببندقيته؟ فالبندقية كما المرأة والأرض لا يفرّط بهم أبداً. لم نكن نحن نعرف من هو هذا الرجل في الصورة، لم تكن هناك حكايات كثيرةٌ عنه. لأن سودة كانت تبدأ بالنحيب حالما تأتي ذكراه. لم نعرف أبداً لِمَ كانت تبكي، أصلاً نحن حتى اللحظة لا نعرف عنه سوى أنّه ذو شاربين ملفوفين، يضع عقالاً فوق رأسه ويحمل بندقيته شامخاً. لا تزال الصورة تزيّن ذات الحائط، وحتى ولو لم تزل سودة تسكن ذاك المكان.
لم تكن سودة تحكي سوى تلك الحكاية عن البندقية عنه. كانت تلك أم الحكايات والقصة التي تبدأ دائماً بها قصص الموت. قصص الموت كانت جزءاً من ليالي الشتاء لدى سودة. لربما هي كانت تكره الشتاء، إذ كانت تكره البرد وتحبّه في آنٍ معاً. تكره البرد لأن ركبتيها تتورمان سريعاً فتصبح حركتها بطيئةً للغاية، مما يستوجب مساعدةً منا في حركتها حتى في أمورها البسيطة. إذ في حياتها لم تُجد استعمال "عكازها" الحديدي أبداً. أما لماذا الحب؟ فلأن قيظ الصيف في المخيّم كان لا يُحتمل، واختراع المكيّف لم يكن رخيصاً إلى الحد الذي هو عليه اليوم. كانت سودة تبدأ بأحاديث الموت من حكاية جّدها، لم تكن تروي كيف مات، كانت تروي حكاية البندقية، ثم تبدأ بالمجزرة التي شاهدتها. لم تكن سودة قد شهدت بأمِّ عينها إلا مجزرة واحدة إبان احتلال قريتها. لكن المجازر الباقية كانت تأتي إليها سواء أرادت أم لم تفعل. كان الفلسطينيون يتوافدون إلى المخيّم بعد كل مجزرة. عائلات هاربة، عائلات لا تجد مكاناً آمنا إلا المخيّم. ولأن سودة كانت معروفةً بأنّها تعرف الجميع، كان من الطبيعي أن يأتي أيٌ كان لترك اسمه عندها في حال سأل أحدٌ عنه من أهله الضائعين. كان كلٌ يروي لها ما حصل معه. كانت سودة تخيط الحكايا. تضع كل جزءٍ من المجزرة على حدة، ثم تجمعه، وترويه حينما تكتمل الصورة. لكنها كانت تجيد رواية قصص الموت، والتي غالباً ما تقود معظمنا إلى البكاء. كانت قليلة الكلام، لكنها كانت تحكي قصصاً تجعل الجميع على أعتاب البكاء أو بداخله.
مرة، كان الجو بارداً جداً، كانت تحرّك النار، لم يكن هناك أحدٌ إلا أنا وهي حكت عن صبرا وشاتيلا. حكت كيف جاءتها امرأة مسنّة وفتاتان إحداهما في الخامسة والثانية دون العاشرة. أخبرتها بأنّهن ليسا ابنتيها، وإنّها لا تعرف من هم أهلهما، لكنها خافت أن تسلّمهما لأي جهةٍ لئلا يتعرضا لـ"وفهمك كفاية" هكذا قالت لها المرأة المسنّة. وحينما تقول جدتي مسنّة، يعني أن هذه المرأة ثمانينية أو أكثر. سألتها سودة كيف ستربيهما وأنتِ بالكاد تستطيعين الحياة؟ نظرت إليها تلك المرأة وقالت لها: "الله كتبلي عمر لأربي هالبنتين". كان صوت ستي بطيئاً على غير عادته وهي تروي هذه الحكاية. لم نكن معتادين على النظر إليها حينما تتكلم. لكن التفاتةً مني حينما سمعت صوتاً خفيفاً يشبه البكاء يصدر عنها. نظرت إليها، فتلفّتت إلي أكثر وصرخت بي: "ولي شو عم تعملي هون ها؟ هادا حديث كبار! يلا روحي من هون، اسحبي لفوق عند امك!