هذه البلاد مثيرة، كيف يولد الانسان لاجئاً؟ إنّ غرابة هذه البلاد تكمن في ان اللجوء يورّث، كما ترث الأرض والمال و صرة الذهب أسفل البلاطة، فانك ترث كرت اللجوء ايضاً، فجدّك الذي هُجِّر قبل اكثر من ستين عاماً، قد ورّث والدك كرت لجوئه، ووالدك سيكون قد ورّثك اياه بالمعية.

كبرتُ قليلاً ووجدتني أدرس في مدرسة غزة للاجئين، كنا نلبس زياً مدرسياً مختلفاً عن أقراننا من طلاب المدارس الحكومية، ويظهر اختلافه الجلي على الفتيات تحديداً-كنا نشبّهه بجلد الحمار الوحشي ساخرين- ، وندرس في مدارس قيل لنا أنها أفضل من المدارس الأخرى -الحكومية تحديداً- ، في السنة الأولى سألتنا المدرسة عن البلدة الاصلية، و استغرقت أمي كثيرا من الوقت لكي تقول لنا أننا من قرية بربرة – كانت ضمنَ قضاء غزة- ، حفظنا هذا الاسم، وكنا جاهدين ألّا نضحك من هذا الاسم الغريب.. أيضاً كانت تخبرنا ان اهلها لاجئون من مدينة بئر السبع... مرّت تسع سنوات في مدارس وكالة الغوث، كل عامٍ في أول الفصل الدراسي، يسألنا المدرس عن بلدتنا الأصلية، ونجيبه "بربرة"، ثم انتقلنا للمرحلة الثانوية واصبحنا سواسية نحن و “المواطنون”، ندرس في مدارس موحدة، هكذا كبرنا لاجئين، نحمل كرت اللجوء، و اسم بربرة يرافقنا.
كان كثيرا ما يتناهى الى سمعنا أنّ عائلتكم عائلة مواطنين، وانّكم من سكان غزّة الأصليين منذ 1080ميلادي، و فكيف تدرسون في مدارس اللاجئين؟ ونغض النظر عن الحديث لجهلنا به .. قبل سنوات قليلة يخبرنا والدي أننا مواطنون لاجئون.. كيف؟ ورد في الاثر أن جدي وأمه، كانا يعملان في دكّان في بربرة قضاء غزة، كانا يقضيان ايام الاسبوع هناك، ويعودان أيام العطل الى بيتهم في غزة، وحدث أن بدأت احداث النكبة و اشتعلت الحرب حين كانا في بربرة، ولجأ حينها ابن غزة لغزة، أو أقصد عاد جدّي لغزة، وحين أتى وقت احصاء اللاجئين، رفض جدّي ان يسجل اسمه، ولكن أمّه سجلت اسماءهم من دون علمه مع اللاجئين، بغية “شرحة كابونة” او أيًا كان، او ربما كما قيل في الاثر: ” ليش بتضحكوا؟ اللي ملوش كرت مؤن، ملوش بلد ضايعة!”.
كنتُ قد أخبرت والدي أني أكتب مقالاً عن لجوئهم الافتراضي، واخبرته اني ابن لاجئة، ونصف لاجئ، وأتى صوتُ أمّي من الخلف أنْ "احنا برضه مواطنين"، لكن جدي سجلّهم لاجئين. من الجدير بالذكر أنّ كثير من عائلات غزّة تحصلت على كابون اللجوء عبر وساطة المخاتير، أو بالأحرى عبر رشوة مخاتير العائلات بـ"حبشة" او "غنمة"..
أذكر صديقي الذي توقّف مشروع زواجه بناءً على تصنيف "مواطن ولاجئ؟ لأ، بنجوزش"!، عدا عن أنّ حوار اللجوء والمواطنة هو أمر شائع لدى الغزيين، فإن لعنات –غزة- تلاحق الفلسطيني أينما حلّ، كان لاجئاً او مواطناً، صديقاي قبل فترة طردا من الأردُن ومُنِعا من دخولها، والتهمة:غزاوي.
وليسَ كعادة كل جد يخبر احفاده أنّه كان مناضلاً كبيراً، وكان يطلق النار على طائرات الإنجليز و اليهود من بارودة الصيد فتتهاوى أرضًا، ماتَ جدي قبل أن أعي تماماً معنى اللجوء، ماتَ ولم أسمع منه قصة لجوئه الافتراضية، ومات دون أن يدس في يدي مفتاح البيت في بربرة . هكذا اصبحت يا صديقي ابنا لام نصف لاجئة، واب نصف لاجئ، واصبحت انا نصفُ لاجئ بالوراثة، ونصف غزّاوي، ومغرّب كمان.