انتهيت أمس فقط، من قراءة "الطنطورية" للراحلة المصرية رضوى عاشور، أو ربما يتوجب علي القول إني قرأتها فقط أمس بعد أن مكثت على الرف أشهراً. كنت كلما مررت بها، أحس كما لو أنها كانت تناديني، وكنت أعلل النفس وسط مشاغلي الكثيرة بأنه سيأتي الوقت المناسب لأقرأها، بعد أن أنتهي مباشرة من قراءة ثلاثية غرناطة. أربعمئة وست وستون صفحة جاء الوقت لأقرأها منذ أسبوع، وللصدفة البحتة، قرأتها في تاريخ قريب لذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا.

ولأيامٍ كانت رقية الطنطورية بطلة الرواية تُصاحبني، لا أدري لماذا أحسست بأني أعرفها جيداً، أو أنها تشبه امرأة أعرفها جيداً، وربما كنتُ أنا تلك المرأة.
رقية الطنطورية لقبها لكونها من قرية الطنطورة، جنوب حيفا على الساحل الفلسطيني، والتي عايشت عدة مجازر وحروب وانتكاسات بين عامي 1974-2000، هي بحد ذاتها تاريخ يضم في جنباته أحداث النكبة وتجربة اللجوء الفلسطيني والحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي للبنان في آن. عايشت رقية اللجوء مرتين: مرة حين اضطرت للهرب مع عائلتها من الطنطورة إلى صيدا في لبنان، ثم من صيدا إلى الامارات، وسكنت سبع بيوت ليكون الأول والأخير منها في صيدا، قريباً من بلادها التي لم تتمكن من العودة إليها.
كل كلمة كتبتها رضوى في هذه الرواية، محسوبة وبدقة وفي مكانها الصحيح، حتى صمت رقية كان بالإمكان لمسه والشعور به، القهر الذي عايشته طوال حياتها منذ الطفولة إلى الشيخوخة، من موت أبيها وأخوتها في مجزرة الطنطورة أمام عينيها، ومن بعدها مجزرة صبرا وشاتيلا، ذلك الصراخ المكتوم في داخلها لا أعرف كيف استطاعت رضوى كتابته، ليصبح شخصية بحد ذاته، ترى ملامحه وأبعاده جيداً من خلال السطور.
بعض المدن نسكنها، والبعض الآخر يسكن فينا، والطنطورة سكنت رقية وتوطنت في ملامحها، فلسطين تجسدت في الطنطورة والطنطورة تجسدت في امرأة، لا تحلم بشيء سوى أن تعود لها، هي وأولادها جميعاً بعدما ذهب أهلها وزوجها كل منهم في مجزرة مختلفة.
رهبة كانت تسري داخلي، وفي بعض الصفحات وقفت عاجزة، ثمة "غباش" كان يلف عيني بالدمع، رائحة القتل والجرائم التي حدثت عبر التاريخ تكاد تشمها، وتراها أمامك حاضرة بكل صخبها ووجعها، نعم كانت الشخوص والقصة متخيلة، لكن القضية والتواريخ كانت حقيقية حدَّ الوجع.
كيف يمكن لرواية واحدة أن تضمّ كل ما ضمته رضوى في الطنطورية، وأن تجعل امرأة لم تكمل تعليمها تحمل وطناً وتركض به، تحرسه بالذكرى والمذكرات التي تكتبها بعدما ألحَّ عليها ابنها حسن لكتابتها؟ ربما هي الظروف التي عايشتها من خلقت أديباً بداخلها قادراً على أن يُعيد إحياء التاريخ بقصصه وكل ما فيه، كي لا ننسى أبداً، وكي نحب هذا الوطن بأكثر مما نحتمل، وبأقل مما يستحق.
على كل ما ذُكر في الطنطورية إلا أن رضوى الرائعة ختمتها... ببداية! بداية رائحة البلاد، والبحر والبرتقال، بداية لغد آخر.
ذهبت رقية مع رفيقاتها وجاراتها في رحلة إلى الفاصل بين لبنان وفلسطين، سياج لم يمنعها من مقابلة فتاة وشيخ من الطنطورة وسؤالهما عنها، ثم يفاجئها ابنها حسن وعائلته ورقية الصغيرة التي أنجبتها زوجته قبل أربعة أشهر، وكأن رضوى تُعلن أملاً جديداً بالعودة، رقية الكبيرة شاخت، لتأتي رقية الصغيرة وتبدأ من جديد ومن فلسطين، رحلة أخرى من وإلى البلاد.