من غير المعقول أن شعباً قدّم نماذج كإبراهيم طوقان وغسان كنفاني وناجي العلي، يغصّ اليوم بنماذج معاكسة في قمع الحريات تصل في بعض الشهور ــ وفق إحصاءات نقابية شهرية ــ إلى ما يزيد على قمع الاحتلال الإسرائيلي. في الأمس، كان الإعلامي نزار بنات في الضفة المحتلة «يزور» سجون «الأمن الوقائي»، وقبله تعرض الصحافي محمد عثمان في غزة لـ«الشبح» في سجون «الأمن الداخلي» ــ الذي بات مرادفاً لأجهزة السلطة القمعية ــ فضلاً عن سيل من الدعاوى على زملاء كهاجر حرب وأمجد ياغي وآخرين، تحت عناوين مختلفة، غالبيتها ترتبط بما يسمى في الصحافة فنّ التحقيقات الاستقصائية.

مهما تكن الملاحظات المهنية على فحوى وأسلوب إعداد تلك التحقيقات، فإنه لا توجد جهة تحكيم حقيقية مقتدرة في أصول المهنة يمكن الرجوع إليها للفصل وللبتّ، ولا حتى المحاكم أو النيابة العامة التي صارت أداة بيد الأجهزة الأمنية، تستطيع أن تحكّم نصوصاً قانونية واضحة في ما تسمى جرائم المطبوعات أو الجرائم الإلكترونية إذا كان قد وقع الجرم، وهذا ما يخْلي الساحة لوجهة النظر الأمنية التي يعرف عنها فلسطينياً ــ كما عربياً ــ أنها لا تمتلك الحدّ الأدنى من فهم حقيقة أن رجل الأمن الشريف مهمته الأولى والمقدسة هي حماية المجتمع من الفساد الذي ينخر أعمدته، لا حماية ذلك الفساد من حيث يعلم أو لا يعلم.
حماية الفساد في الضفة وغزة، بوابتها الأولى، أن «التحقيقات» الأمنية كانت تتعامل مع الصحافي على أنه صاحب جرم ومشتبه فيه، أو على الأقل «مشاغب» فتَح على نفسه بوابة لـ«وجع الراس»، ثم تأتي مرحلة إجباره على الكشف عن مصادر إعداد موضوعه والمتحدثين فيه أو المشار إليهم بالاتهام، وهو ما يعني عملياًَ إنهاء المستقبل المهني لهذا الصحافي، اذا احتسبنا بحسن نية أن الأمن يريد «القبض» على المجرمين ومحاكمتهم، علماً بأن الأول هو الأقدر على تلقف الخيط ومعرفة الحقيقة بصفته جهة رسمية أقوى من الصحافة كلها.
البوابة الثانية تمثّل مشكلة خطيرة في ظل هذه الاستدعاءات والاعتقالات، وهي أنها باتت تتجاوز قضايا الرأي وحرية التعبير، أو الانتقاد لسلوك تنظيم أو جهة ما، علما بأن هذا حق أصيل وواجب على كل صحافي «غير منتفع»، اذا وجدنا عذراً لمن يعمل إعلامياً ضمن مشروع سياسي ما؛ إنما بتنا نتحدث في الشهور الأخيرة عن قضايا تمس حياة الناس ومنها ــ مثلاً ــ قصص التقارير الطبية المزورة وحكايات الأخطاء الطبية المتكررة وأيضاً التحرش في الوظائف العامة والخاصة وكذلك الفساد في توزيع المنح الدراسية والتوظيف. ولعل القائمة التي أعلنها أحد المشرفين على وسائل الإعلام في غزة أنها تأتي ضمن «مخطط لتعهير غزة» أطول وأشمل، وخاصة أنه استبق مجموعة عناوين يحق فعلاً لأي صحافي مهني العمل على نصفها على الأقل.
من الجيد التذكير بأن غالبية هؤلاء الصحافيين، وغيرهم كثيرون، يعملون لدى جهات عربية ومحلية (قنوات وصحف وإذاعات) معروفة ومعلنة، كما أنهم يملكون من حسّ المسؤولية والوطنية ــ غالباً ــ ما يجعلهم يتجنّبون الخوض في ملفات فساد وعمالة داخل التنظيمات الفلسطينية، معتبرين أنها خطوط حمر. وفي حالات كثيرة، شهدنا لعدد منهم من استغنى عن فكرة «السبق» الصحافي كي لا يكون جزءاً من معركة العدو ضدنا، بل رموا ملفات متشعبة التفاصيل وأحياناً «صادمة»، حتى تبقى العلاقة بين المقاومة والناس، أو داخل الروابط المجتمعية، قوية ومتينة.
إن تصديقنا حقيقة أنّ المشروع الأساسي الذي تحمله الحركتان الكبريان على الساحة: حركة «التحرير الوطني الفلسطيني ــ فتح»، و«حماس» التي تقدم نفسها على أنها أيضا مشروع تحرري، بات تصديقاً مرهوناً بالنجاة من مقصلة قمع هذين التنظيمين، اللذين قهرا الناس وأوصلا القضية الفلسطينية إلى نهايات لم يكن شهداؤنا وجرحانا وأسرانا يحلمون بأن نطأها في أسوأ السيناريوات، وفي أحسن الأحوال بات «الاعتراف بالخطأ» فضيلة كبرى يتكرمون بها علينا كل عقد من الزمن، دون العمل على تصويب ذلك الخطأ.
للأسف، بتنا نخشى سؤال أنفسنا عن حقيقة رغبتنا في تحرير فلسطين ومستقبلها بعد هذا التحرير، بل صرنا نقبل بقاء الحركة الأولى ليس لأنها تسعى فعلاً للوصول بنا إلى دولة، إنما لأن غيابها ــ على سوئها ــ سيرمي بآلاف العائلات إلى خيارات المجهول، الذي أثبتت التجربة أننا نغرق معه في دوّامات من الضياع الللامتناهي، فيما نتشبت بالثانية كونها حائط الصدّ الأخير أمام مجازر إسرائيلية حتمية اذا انكسرت قواها وتلاشت.
برغم ذلك، نقرّ بأن لـ«حماس» هامشاً في الحريات أوسع من «فتح»، لكنها لم تتخطّ بعد ما يسميها أحد الزملاء «عقدة مرسي»، في ظل قناعتهم بأن الإعلام كان له الدور الأكبر في إسقاط محمد مرسي عن الرئاسة قبل خطوة العسكر، لذلك يخافون تكرار هذه التجربة، وباتوا يستشعرون تحوّل النقد في أي قضية مهما كان عنوانها إلى أنه «تحريض» يجب وضع حدّ له. أما «فتح»، فإنها ترفض أي انتقاد عن حالة الخنوع التي تعيشها أمام العدو، فيما تمثل الأجهزة الأمنية في الضفة والعصابات المحيطة بها، حالة من الصراع تنعكس بدورها على الإعلام، وهو ما صنع صحافيين يعملون كـ«بعبع» لتخويف زملائهم وإرسال التهديدات إليهم بالإيذاء أو بالقتل، وقد وثقت حالات كثيرة من هذا القبيل.
لكنّ كلّ هذا لا يبرر للطرفين الاعتداء على كرامة وحرية أي فلسطيني «يرابط» داخل حدود بلاده، وجعل الصحافي يعيش هواجس الرعب من أي محاولة لكشف التجاوزات. حتى لو أخطأ أحد الصحافيين، على الأقل، يمكن التعامل معه بالصيغ القانونية التي تركتها بيننا سنوات من الحكم البريطاني والمصري والأردني والإسرائيلي والسلطوي، السيّئي الذكر جميعاً؛ هذا اذا كنا نتحدث عن سلطات حاكمة تحترم قيمة حكمها الأساسية، وهي مستوى مقبول من العدل، أو عن شبه دولة، لشعب نصفه مشرّد ونصفه الآخر بين القتل والحصار.
ومن واقع تجارب الزملاء في إجراء عدد من التحقيقات التي حرّكت الرأي العام بشدّة، كشفت الأيام عن «كوتات» صحافية فلسطينية متصلة بالعصابات السياسية التي تحكم بسعادة تحت «بسطار» الإسرائيلي وجبروته، وهمّها جميعاً منع الحقيقة من الوصول إلى الجمهور، وحرف بوصلة الصراع عبر ربطها بمشكلات الإقليم أولاً وحسابات المصالح الفصائلية ثانياً.
أخيراً، يزيد عتبنا على حال الحريات في غزة أكثر من غيرها، ففيما الجمهور ومعه الأمن يلاحق بغضب أو بسخرية أغانيَ لشاب «هاوٍ» تتحدث عن «الخبيزة» و«البنطلون»، يضعف الأخير اسمه وهيبته بتكرار الاستدعاءات ليل نهار في كل صغيرة وكبيرة. والمصيبة أنه إذا أقررنا بأن القطاع قد حرّرته المقاومة من اليد الإسرائيلية، وأن النموذج القائم حالياً هو ما تبشّرنا به الأيام اذا انقلبت موازين القوى في المنطقة وباتت فلسطين أقرب إلى التحرير، فإن تحوّل فلسطين إلى قطر عربي قمعي جديد، هو آخر أحلام هذا الشعب المقهور، الذي ــ بلا شك ــ سيكون أول المهاجرين من بلاده المحررة... إن كتب لنا أن نعيش مع ذلك الجيل.