فيما تلمع أرضية ممر الطابق الخامس في مشفى المواساة بشكل جميل، يقف عماد (اسم مستعار) في نهاية الممر يتأمل عمله ويعيد الكرة، إذ يجب عليه أن ينظف الأرضية بعد أن قام صديقه بجمع النفايات من غرفة غسل الكلى. ابتسامة مريرة تعلو وجهه عندما تسأله عن اسمه، يتلفت يميناً ويساراً، ثم يجيب بصوت خافت عن اسمه وعمره الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة. نزح عماد مع والدته وإخوته الثلاثة من الرقة، بينما لم يستطع والده الخروج، ليصبح هو المعيل إلى جانب والدته التي تبيع الخبز. يعمل ابن الرابعة عشرة في مجال التنظيف لدى شركة خاصة تعهدت التنظيف والتعقيم في مشفى المواساة، وتمتد ساعات عمله من السابعة صباحاً حتى الثانية ظهراً، ولا يتخللها سوى دقائق قصيرة للاستراحة، فهناك مراقبة دوام قاسية، وذلك مقابل أجر شهري قدره 7000 ليرة سورية (12 دولاراً أميركياً)، وفي حال استمر حتى السابعة مساءً كدوام إضافي، فإنه سيتقاضى 10000 ليرة سورية (18 دولاراً).

وائل (13 عاماً)، بدوره، يتناول «سندويشة الزعتر» خلال فرصة الغداء. فهو يرفض أكل الطعام الذي يقدمه المشرف عليه في مشفى الأسد الجامعي، ويقول: «أنا لا أتناول الطعام الذي يقدمونه إلينا في فترة الغداء، لأنهم يجمعون ما تبقى من الطعام الذي قدموه للمرضى ويقدمونه إلينا».
هنا، لن تجد في أيدي العاملين كفوفاً مطاطية تقيهم من انتقال أي عدوى إليهم أثناء عملهم في تنظيف غرف المرضى أو أقسام الإسعاف والعمليات، وكل ما تقدمه لهم الشركة المتعهدة هو زيّ رمادي أو أزرق اللون كي يتم تمييزهم عن باقي العمال. يقول أحد الأطباء من كادر مشفى الأسد الجامعي إنه تم تقديم «أكثر من اعتراض على عمل الشركة للرقابة والتفتيش وعن توظيفها للأطفال وعن قلة خبرة العاملين في التعقيم، حيث تسبب العاملون في هذه الشركة بأكثر من ضرر، سواء للمرضى أو لأدوات المشفى، لكننا كنا نفاجأ بلملمة القصة وطيّها من دون أي محاسبة للمقصرين». وفي هذا السياق، تقول جمانة خالد، العاملة في مجال التعقيم ضمن مشفى دار التوليد منذ عامين: «أنا أحمل الشهادة الثانوية (قسم الفنون)، لم يسألني المشرف عن عملي سوى بضعة أسئلة. وقّعت على ورقة لم أقرأ جميع شروطها ولم أخضع لأي تدريبات في التعقيم. نحن ننظف الأدوات بعد العمليات الجراحية ونعقّم غرف العمليات قبل أي عمل جراحي». وتضيف: «في بعض الأحيان يخطئ الشبان والشابات الجدد في كمية المواد التي يجب خلطها أو إضافتها للتعقيم، لكني لا أذكر أن أحداً قد طرد لمثل هذا السبب». وعن ساعات العمل، توضح: «نحن نعمل أكثر من ثماني ساعات بمرتب لا يتجاوز عشرة آلاف ليرة وعطلة ليومين فقط في الشهر، وإذا مرضنا أو اضطررنا إلى الغياب فإن الأجر سينقص».
لن تواجه صعوبة في إيجاد أحد الأطفال العاملين ضمن كوادر هذه الشركات، إذ باتوا، مع الأسف، أكثر من البالغين. ويرى أحد المشرفين في مشفى المواساة ــ فضّل عدم ذكر اسمه ــ أن «الأطفال أفضل للعمل في مجال التنظيف من الكبار، فهم لا يعترضون ويمكن الضغط عليهم أكثر، ومن يعمل معنا هم من الفئات المحتاجة إلى أي مبلغ مهما كان زهيداً، ومن خلال عملهم في تنظيف غرف المرضى قد يحصلون على إكراميات نتيجة تعاطف الناس معهم». وعن التبعات القانونية يقول: «لم يحاسبنا أحد، ونحن نعمل على مرأى الأطباء والمديرين، ولم نتعرض لأي مشكلة». وحول هذا الشأن، يؤكد القاضي مرهف الفصيح، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «قانون العقوبات بحق من يشغّل قاصراً بحاجة إلى أن يكون أكثر صرامة كي يعاقب مشغّلي الأطفال وذويهم، الذين يستغلون أبناءهم». وبدوره، يقول المحامي إسماعيل علاء الدين إن «هناك نصوصاً محددة في قانون العمل الجديد رقم (17)، والأسباب الموجبة بحقوق العمال وعلاقات العمل الصادر في 2010، تنصّ على منع تشغيل الأحداث من الذكور والإناث قبل إتمام مرحلة التعليم الأساسي أو إتمام سن الخامسة عشرة من عمرهم أيهما أكبر». ويضيف أن «القانون يمنع في مادته (114) تشغيل الحدث أكثر من ست ساعات يومياً، على أن تتخللها فترة أو أكثر لتناول الطعام والراحة لا تقل في مجموعها عن ساعة كاملة، وتحدد هذه الفترات بحيث لا يشتغل الحدث أكثر من ثلاث ساعات متواصلة»، مشدداً على أنه «لا يجوز تكليف الحدث بساعات عمل إضافية مهما كانت الأحوال أو إبقاؤه في محل العمل بعد المواعيد المقررة له، ولا تشغيله في أيام الراحة».