غداة تجاوز الكونغرس الأميركي الفيتو الذي استخدمه الرئيس الأميركي باراك أوباما ضد قانون محاكمة رعاة الإرهاب، والذي يسمح بمحاكمة السعودية على خلفية اتهامات تتعلق بأحداث 11 أيلول، خرج العديد من التحليلات التي تناولت ماهية الرد الذي قد تلجأ إليه السعودية. وفيما قلّل البعض من قدرة الرياض على اتخاذ إجراءات في وجه القانون، رأى البعض الآخر أن لديها الكثير من الأدوات لاستخدامها.

وفي السياق، أوضح عدد من المحللين أنّ السعودية قد تعمد إلى تقليص تعاونها مع الولايات المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب، ذلك أن الرياض ترى أن القانون هو بمثابة «طعنة في الظهر».
وعلى الرغم من أن علاقات البلدين شابها فتور متزايد، منذ وصول أوباما إلى الحكم مطلع عام 2009، إلا أن التعاون في مجال مكافحة الإرهاب لم يتأثر بحرارة العلاقة السياسية.
ولكن رئيس لجنة شؤون العلاقات العامة السعودية ــ الأميركية، سلمان الأنصاري، الذي أشار في حديث إلى وكالة «فرانس برس» إلى أن «هذه الشراكة ساهمت في تزويد السلطات الأميركية بمعلومات استخبارية دقيقة»، أبدى خشيته من أن تكون للقانون الجديد «انعكاسات استراتيجية سلبية».
ورأى أن «السعودية طُعنت في الظهر من خلال هذا القانون غير المدروس وغير الواقعي»، سائلاً «كيف يمكنك مقاضاة بلد يتعاون وإياك في مجال هو نفسه الذي توجه له فيه اتهامات غير مسندة؟».
كذلك، رأى محللون آخرون أن التعاون الأمني قد يصبح موضع شك، إضافة إلى مجالات تعاون أخرى، أبرزها المالي والاقتصادي. وبحسب المستشار الأول، مدير برنامج الأمن والدفاع ودراسات مكافحة الإرهاب في «مركز الخليج للأبحاث»، مصطفى العاني، فإن على السعودية «تقليص الاستثمارات المالية في الولايات المتحدة، وتقليص التعاون السياسي والأمني» مع واشنطن.

خاشقجي: على
الرياض إجراء إعادة تقويم «في الداخل»

من جهته، لفت الصحافي السعودي جمال خاشقجي إلى أنّه «سيكون صعباً جداً على المملكة العربية السعودية أن تواصل التعاون الاستخباري» مع الولايات المتحدة بعدما اتخذت الأخيرة «موقفاً عدائياً كهذا». وأضاف أن المسؤولين السعوديين قد يكونون في خضم إجراء مناقشات حول رد فعلهم «أو سينتظرون إلى أن يتم تقديم الدعوى الأولى». لكن خاشقجي أشار إلى أنّ على الرياض إجراء إعادة تقييم «في الداخل» لإزالة الأسباب التي قد تكون أدت إلى نيل القانون تأييداً واسعاً في الكونغرس.
من جهة أخرى، أشارت وكالة «أسوشييتد برس» إلى أن أدوات المواجهة السعودية قد تتضمن «الحد من الاتصالات الرسمية، وسحب مليارات الدولارات من الاقتصاد الأميركي، وإقناع حلفائها المقرّبين في مجلس التعاون الخليجي بتقليص التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وأيضاً الاستثمارات وعرقلة وصول الولايات المتحدة إلى القواعد الجوية المهمة في المنطقة».
وكانت تقارير صحافية قد أشارت سابقاً إلى أن السعودية لوّحت بسحب مليارات الدولارات من الاستثمارات في الولايات المتحدة في حال إقرار القانون، على الرغم من أن مسؤولين سعوديين قلّلوا من أهمية هذه التقارير.
ونقلت الوكالة عن الأستاذ المتخصص في العلوم السياسية، في جامعة الإمارات، عبد الخالق عبدالله، أنه «يجب أن يكون هذا الأمر واضحاً لأميركا ولبقية دول العالم: عندما تُستهدف إحدى دول مجلس التعاون الخليجي بشكل غير عادل، فإن البقية ستقف حولها». وقال إن «كل الدول ستقف مع السعودية بأي طريقة ممكنة».
وفي هذا السياق، كان وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد قد حذر، في وقت سابق من هذا الشهر، من أن قوانين مماثلة «ستؤثر سلباً على الجهود الدولية والتعاون الدولي لمكافحة الإرهاب».
وأمس، غداة تجاوز الفيتو الرئاسي الأميركي من قبل الكونغرس، حذّرت البحرين، في تصريحات لوزير خارجيتها، من أن إقرار القانون سيرتد على واشنطن نفسها. وقال خالد بن أحمد الخليفة، في تغريدة عبر حسابه على موقع «تويتر»، إن «قانون جاستا سهم أطلقه الكونغرس الأميركي على بلاده»، مضيفاً «أليس منكم رجل رشيد؟».
وعلى الصعيد ذاته، أشارت وكالة «أسوشييتد برس» إلى أنه «عندما أرادت السعودية أن تضغط على قطر من أجل الحد من دعمها للإخوان المسلمين في مصر، قادت تحركاً غير مسبوق أدى إلى سحب سفراء دول الخليج من الدوحة في عام 2014، وبالتالي عزل الإمارة الصغيرة الغنية بالغاز».
وفيما ذهب المحلّلون السياسيون السعوديون والخليجيون إلى إعطاء السعودية هامش مناورة كبيراً يمكّنها من الرد بقوة، كان في المقابل في الولايات المتحدة من يخفف من أهمية ما يمكن أن تقوم به الرياض. فقد رأى الباحث في معهد «بيترسون» للاقتصادات الدولية، جوزيف غاغون، الذي عمل في مجلس الاحتياط الفدرالي، أنه «لا يوجد الكثير ممّا يمكن أن تفعله المملكة في وجه الدولار أو غيره من الأصول الأميركية»، مشيراً إلى أنها في حال قامت بأي تحرّك، فإن «ذلك سيؤذينا أقل بكثير ممّا قد يؤذيها».
كذلك، رأى المدير التنفيذي لمجلس الأعمال الأميركي ــ السعودي، إيد بورتون، أن الأعمال بين البلدين ستتواصل، على الرغم من أن صفقات محتملة قد تُهدّد في حال إقرار القانون.
(الأخبار، أ ف ب)