هل انزلقت روسيا إلى حرب طويلة الأمد في سوريا؟ وما هي الخيارات المُتاحة أمامها في المرحلة المقبلة؟ وهل التراجعُ وارد؟ يبدو طرح هذه التساؤلات بديهيّاً في مطلع العام الثاني للتدّخل العسكري الروسي المباشر، من دون المراهنة على تحصيل إجابات سريعة وحاسمة. ويُنذر المشهد الدولي بتصعيد كبير لا يستهدف هذه المرّة دمشق فحسب، بل يبدو موجّهاً في الدرجة الأولى ضدّ موسكو. وليس من المصادفات في شيء أن تتوالى التصريحات الأميركيّة المتوعّدة لموسكو، وتتزامن مع تسريب أنباء عن حصول المجموعات المسلّحة على أسلحة تدخل المشهد للمرّة الأولى، مع التلويح بإمكانيّة تزويدها بمضادّات طيران أيضاً. الخيارات الروسيّة محسومة لمصلحة مجابهة التّصعيد بتصعيد أكبر يبدو خياراً شبه وحيد، في ظل استحالة العودة إلى الوراء. ويمكن الحديث بثقة عن تغيير في أولويات المرحلة من وجهة نظر موسكو، بعدما أثبتت التطوّرات أنّ محاولات «تحسين شروط الصفقة بالنار» قد فشلت فشلاً ذريعاً. الأحاديث المتداولة في كواليس الساسة في دمشق خلال النصف الأول من عمر التدخل الروسي كانت توحي باقتناعٍ بوجهة النظر الروسيّة التي تمحورت في تلك الفترة حول تحقيق «أنصاف انتصارات» وترك أجزاء غير مكتملة على كل جبهة تصلح ميداناً للتفاوض. اليوم، تشهد هذه الكواليس تبدّلاً واضحاً في فحوى الكلام المتداول نحو «اقتناع موسكو بضرورة تحقيق انتصارات كاسحة تُخرج بعض الجبهات من الحسابات بشكل كليّ (على رأسها جبهة حلب)».
التدخّل الروسي أفلح في نقل القوّات السوريّة إلى موقع الهجوم
كان لانهيار اتفاقين سابقين لـ«وقف الأعمال القتاليّة» من دون أن يُسهم أيٌّ منهما في زيادة أسهم الحلول السياسيّة دور أساسيّ في هذا التحوّل. ولا سيّما مع تهاوي اتفاق «كيري ـ لافروف» وتنصّل واشنطن منه بشكل يبدو أنّه فاجأ موسكو التي رأت في الاتفاق «إنجازاً يُبنى عليه»، إلى درجة أنّ دبلوماسيين روساً كانوا قد بشّروا نظراء سوريين بأنّ «الحلّ وُضعَ على السكّة، وسيقطع شوطاً كبيراً قبل مغادرة (الرئيس الأميركي باراك) أوباما البيت الأبيض» وفقاً لما يقوله مسؤول سوري لـ«الأخبار». ما الذي تغيّر اليوم؟ «اكتشفوا أنّ الإدارة الأميركية تراوغ كما كنّا نقول دائماً، أو هي على الأقل عاجزة عن اتّخاذ خطوات فعليّة في هذا الوقت»، يقول المصدر نفسه ويستفيضُ في حديث عن حسابات الانتخابات الأميركية وتأثير الملف السوري عليها. «مسابقة الزمن بالنار»؛ يبدو العنوان الفعليّ للشهور الثلاثة المقبلة وفقاً للرؤية السورية الروسية (والإيرانية بطبيعة الحال). جبهات حلب، وحماة، والغوطة، ودرعا، والقنيطرة تتصدّر حسابات «المحور»، مع عدم استبعاد احتمال التهاب جبهات أخرى. «الحسم في حلب، وإعادة الأمور إلى نصابها في حماة، ومنع أي اختراق في الجنوب، إضافة إلى مزيد من التوغّل في الغوطة» هي أهدافٌ طُلب من غرف العمليّات العسكريّة أخيراً العمل على إنجازها «ضمن إطار زمنيّ صارم». لكنّ الأطر الزمنيّة جرى كسرها في كثير من مفاصل الحرب، بما في ذلك التدخل الروسي نفسه. قبل عام كانت وكالة الأنباء الفرنسيّة تنقل عن مسؤول روسي قوله إنّ «بلاده ستكثف عملياتها في سوريا خلال فترة تراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر (مئة يوم)». المسؤول الذي وُصف بالـ«مقرب من الرئيس فلاديمير بوتين» قال حينها إنّ الهدف من هذا الإطار الزمني هو «عدم الغرق في المستنقع السوري». لكنّ المرحلة الأولى من العمليّات استمرّت ضعف تلك المدّة، قبل أن تُعلن موسكو «سحب الجزء الرئيسي من قواتها». جرى سحب القوّات بالفعل، قبل أن يُمهّد انهيار «هدنة شباط» (انهارت كليّاً منتصف نيسان) للعودة بزخم أكبر. بحلول شهر آب دخلت القاذفات الاستراتيجيّة «توبوليف 22» في إجراء بدا حينها أقرب إلى استعراض القوّة، لكنّه كان عنواناً لمرحلة جديدة من التدخل العسكري. اليوم، وإثر انهيار «هدنة الكاستيلّو» ومعها نعيٌ نهائيّ مُنتظر لاتفاق «كيري ـ لافروف» تضرب السواحل السورية موعداً مع حاملة الطائرات الروسية «الأدميرال كوزنيتسوف» ناقلةً «المزيد من الأسلحة والطائرات العسكرية». وتقصد الحاملة البحر المتوسط مصحوبةً بسفن خفر وغواصة نووية. ووفقاً لما نقلته وسائل إعلام روسيّة عن مصادر عسكريّة فإنّ حمولة «الأدميرال كوزنيتسوف» تتضمّن عدداً من مقاتلات «سو 33» و«سو 25» و«ميغ 29» وطائرات هليكوبتر «كا 27» و«كا 52» و«كا 31». فيما وصلت بالفعل مجموعات جديدة من «القوّات الخاصّة» وباشرت الانتشار على عدد من الجبهات مع تكتم كامل على أعدادها. وحتّى وقت قريب كانت المعطيات تشير إلى أنّ العدد الإجمالي للعسكريين الروس في سوريا يراوح بين 4000 و5000. وعلى الرغم من السريّة التي يُحاط بها هذا الجانب، غير أنّ الانتخابات البرلمانية الروسيّة شهدت مشاركة «4571 مواطناً روسياً في التصويت في سوريا، من بينهم 4378 عن طريق صناديق اقتراع متنقلة» وفقاً للّجنة الانتخابية المركزية. وعلاوة على الطيارين والخبراء والجنرالات يُشكّل «المتطوعون» عموداً فقريّاً للقوّات الروسيّة البريّة. وينتمي معظم هؤلاء إلى فرقة تُعرف باسم «فرقة فاغنر» نسبة إلى لقب قائدها الكولونيل السابق في «القوّات الروسية الخاصّة» (spetsnaz). وخلال الأسبوع الأخير سُجّل نشاط روسي غير مسبوق في بعض المناطق الساحليّة، ولا سيّما تلك القريبة من الحدود التركيّة، علاوة على النشاط المعهود في القاعدة العسكريّة الروسيّة في طرطوس، ومطار حميميم العسكري. وبات معروفاً أنّ العام الأوّل من التدخل العسكري الروسي قد أفلح في نقل القوّات السوريّة من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم على معظم الجبهات. وانقسمت العمليّات التي خاضها الجيش السوري تحت غطاء روسي إلى شقّين أساسيّين: استهدف الأوّل مناطق سيطرة تنظيم «داعش»، وأسفر عن استعادة مدينة تدمر التاريخيّة (ريف حمص الشرقي) ومساحات واسعة من ريف حلب الشرقي وفك الحصار عن مطار كويرس العسكري. فيما استهدف الشق الثاني مناطق معظم الجماعات المسلّحة، وأسفر عن استعادة أجزاء واسعة من ريفي حلب الجنوبي والشمالي، وفك حصار نبّل والزهراء، إضافة إلى استعادة معظم مناطق ريف اللاذقية الشمالي، وتقدّم كبير في غوطة دمشق.





العام الأوّل للتدخّل العسكري الروسي انصرم من دون الدخول في صدام مباشر مع قوّات أجنبيّة رسميّة، كما لم يُسفر عن «حوادث» باستثناء حادثة إسقاط الطيران التركي للطائرة الروسيّة «سو 24» (تشرين الثاني). ولم تستخدم القوّات الروسيّة كلّ ما استقدمته من أسلحة إلى سوريا، ولا سيّما منظومة صواريخ «إس 400» التي أعلن عن نشرها عقب إسقاط تركيّا الطائرة الروسيّة. ويبدو واضحاً أنّ هذه المنظومة قد نُشرت لحماية القوّات الروسيّة دون سواها (حتى الآن)، ولم يكن مفاجئاً عدم استخدام المنظومة ضدّ طائرات «التحالف الدولي» التي هاجمت قوّات سورية في دير الزور. وبرغم استبعاد انجرار أي من الطرفين (القوّات العسكرية الروسيّة أو قوّات «التحالف») إلى مواجهات بين بعضهما بعضا، يبرز عدد من المخاطر المحتملة التي قد يفرزها احتدام الأزمات بين الطرفين وعلى رأسها وقوع «حوادث» في حال انهيار عمليات تنسيق حركة الطيران الحربي على نحو مفاجئ.