لا يمكن أن يقف عاقل ضد تطبيق القانون، إذ إن تطبيقه على الجميع هو معيار تطور البلاد. لكن في المحافظة ذاتها التي قُتل فيها عقيد في الجيش السوري في عزّ الحرب، على مرأى ومسمع مسؤولي المدينة والقيّمين على أمانها، وفي المدينة التي يمكن أن يحيلك أي خلاف مروري فيها إلى المستشفى أو إلى السجن... يُطبّق القانون فجأة.

هي ذاتها عاصمة الشهداء وأمهم... في المكان الذي استمرّ في تقديم القرابين على مذبح «هيبة الدولة»، من دون امتيازات المكانة العالية والكفاية المادية. فجأة تحوّلت مدينة جبلة الساحلية، التابعة لمحافظة اللاذقية، إلى مدينة يطبّق فيها القانون على الجميع (جميع الفقراء)، حيث انبرى محافظ اللاذقية إبراهيم خضر السالم إلى هدم المخالفات وإزالة الأكشاك، تحت شعار «لا أحد فوق القانون في اللاذقية». تصريح عجيب في سياق تصريحات المحافظ المستمرة عن تطبيقه القانون في دولة المؤسسات التي تخضع لقوانين وأنظمة، ليأتي سؤال من بعض المستثمرين على كورنيش جبلة أنفسهم: «ماذا عن توقيع المحافظ على عقود بناء المقاهي المخالفة، حسب مناقصة الاستثمار؟».
لا يحتاج الأمر إلى بحث طويل للتأكد من القرار القانوني الذي اتخذه المحافظ، إذ إنه جاء وفقاً لقرار اللجنة الخاصة بالمكتب التنفيذي التابع للمحافظة. الترتيب المنطقي للأمر جرى وفق القوانين فعلاً، حيث زارت اللجنة الخاصة كورنيش جبلة وعاينت مقاهي الكورنيش قبل 6 أشهر، وأعطت مهلة قانونية لأصحاب المقاهي المخالفة الذين طلبوا مهلة حتى انتهاء الموسم الصيفي، بحسب مصادر في المحافظة. مضيّ 6 أشهر شمل انتهاء الموسم والمهلة معاً، ما يعني دخول قرار الإزالة حيّز التنفيذ، ما أدى إلى إزالة 250 مخالفة، شملت المقاهي والبسطات والأكشاك. مصادر في بلدية جبلة كشفت أن العقود الموقّعة بين المواطنين والبلدية تمت خلال عهد رئيس البلدية السابق، وهي لا تعطي الحق بالبناء على مستوى أعلى من مستوى الكورنيش، لما يسبّبه ذلك من حجب رؤية البحر عن المواطنين، في حين ذكر أحد أصحاب المقاهي المتضررة أن عقود الاستثمار المبرمة مع بلدية جبلة تمت بموافقة مجلس المحافظة نفسه، إضافة إلى وزارة الإدارة المحلية، وفق دفتر شروط ينص على بنود مطلوبة من المستثمرين لم يحدد أي منها مستوى البناء، ولم تأتِ على ذكر الواجهة البحرية. ويضيف: «قبل 6 أشهر فقط زعمت المحافظة أننا مخالفون لما لم يذكر في بنود العقد، وهو إشغالات فوق مستوى الرصيف. فأرسلوا إلينا إنذارات بالهدم، أُلصقت على زجاج المقاهي، بلا أي خاتم أو توقيع، ليتم تنفيذ الإنذار العجيب بعد 6 أشهر، بمرافقة عناصر حفظ النظام وجرافات مجلس المحافظة». ويبالغ الرجل في تقدير خسائر عمليات الإزالة بـ350 مليون ليرة، إضافة إلى صرف ما يزيد على 200 عامل. ويتساءل عن القانون الذي يحاسب بهذه الدقة، من دون أن يعوّض للمواطنين أي خسائر، بعد إنفاق الملايين على هذه المنشآت. ويرجّح أن إزالة منشآت كورنيش جبلة لا تتعلق بتطبيق القانون، بل بنيّة إقامة منشآت ضخمة لـ«حيتان» متنفذين، أكبر من المستثمرين المتضررين حالياً، ما يحرم العامة من الواجهة البحرية التي تتحجّج المحافظة بالدفاع عن رؤية المواطنين لها.
تنفيذ القانون بهذا الشكل أثار لغطاً في مدينة جبلة وريفها، ولا سيما بعدما طالت حملة المحافظ في المدينة بسطات للخضر قرب جامع السلطان، إضافة إلى بعض الأكشاك المخالفة. صاحب أحد الأكشاك أكد أن «البلدية حددت مساحة الكشك بما لا يتعدى مترين، لعوائل الشهداء ومصابي الحرب من المقاتلين»، «غير أن أحداً لم يتقيّد بهذه المساحة، تحت مرأى ومسمع البلدية والمحافظة طيلة سنوات، ليتقرر فجأة هدمها لمخالفتها، حسب تعبيره. ويتساءل الرجل عن «مستشفى مدينة جبلة المتوقف عن الخدمة منذ 4 سنوات، إن كان سيدخل حيّز تطبيق القانون يوماً ما، أم أن ملاحقة الفقراء في لقمة عيشهم أهم!».