جولتان من التظاهرات عنوانها «السلم»، خرج بها المدنيون في مدينة قدسيا (غرب دمشق) على مدى يومين متتالين، تكللت في اليوم الثالث (أول من أمس) بغيابٍ تامٍ لأصوات نيران الحرب. وعلى وقع هذا الهدوء تتوجه المدينة اليوم إلى تطبيق «تسويتها» المنشودة، بفعل مفاوضات انطلقت بعد توترٍ شديدٍ لأيامٍ عدة، بدأ بخرقٍ للتهدئة من جانب مسلحي المدينة. على عكس جارتها الهامة التي بقيت تحت النيران بين صدٍ وردّ، فرضخ مسلحوها في النهاية لبنود المصالحة، برغم رفضهم في البداية وإعلانهم أن أرضهم ساحة حرب فقط!

لم تكفِ اللافتات الموحدة التي كتب عليه «نعم للسلم... لا للحرب» ضمن التظاهرة الصامتة التي خرج بها عدد من المواطنين في قدسيا بعد صلاة يوم الجمعة (الماضي) من الجامع العمري، وجابوا بها الشوارع المحيطة، فاستُكملت بصوتٍ مدني يصدح بعبارة «قدسيا حرّة حرّة... السلاح يطلع برا»، فجاء الدور فاعل في اتجاه إتمام بنود مصالحةٍ جديدةٍ في المنطقة، تسعى إلى وقف الأعمال القتالية وخروج المسلحين من المدينة، سعياً لحماية المدنيين من إراقة المزيد من الدماء وفك الحصار عن المدينة «المخنوقة» منذ أكثر من ثلاث سنوات.
قيادة الجيش السوري، منذ بداية التظاهر، أصدرت أوامر بعدم الرد على مصادر النيران حرصاً على حياة المدنيين المتظاهرين، وأوقفت بشكل نهائي الحملة العسكرية التي بدأت منذ ثلاثة أيام على قدسيا، واستمرت بها بشكل مكثف على الهامة. في المقابل حلّل بعض النشطاء في المعارضة أن المسلحين في قدسيا سمحوا للمدنيين بالخروج في التظاهرات، ليجعلوا من طلباتهم مبرراً لقبول خروجهم من المدينة ضمن تسوية تشبه مصالحة داريا الأخيرة من باب «حفظ ماء الوجه».

وضع مأساوي
يعيشه أهالي المنطقة ممن لم ينزحوا

تتضارب الأنباء حول «مسقط رأس» مسلحي قدسيا، ومع ذلك يؤكد أبو حسام (سبعيني من سكان أحد الأحياء) أن كل من حمل السلاح في المدينة هم من أبناء المنطقة، «فلا جبهة نصرة ولا مرتزقة يقاتلون على الجبهات المشتعلة، وإنما سكان من البلد تسلحوا وتجمعوا في شارع الخياطين، يعيثون هناك فساداً»، على عكس الهامة التي تحتضن عناصر ينتمون إلى «جبهة النصرة» إلى جانب أبناء البلدة، موضحاً أن «التظاهرات التي خرج فيها الآلاف، إلى جانب جهود الوجهاء، أدت الى وقف تبادل النيران، وإتمام المصالحة، والهدنة التي نقضها المسلحين مرتين سابقاً خلال فترة التهدئة، عادت سارية المفعول بعد مفاوضات عديدة أجراها أعضاء لجنة المصالحة على رأسهم الشيخ محمد عدنان الأفيوني (مفتي دمشق وريفها)».
أما الجارة بلدة الهامة التي كانت قد رفضت في البداية قبول بنود المصالحة، معلنة أنها ستستمر في القتال، فرضخت بعد الضغط الشعبي والقوة العسكرية التي حصلت خلال الأيام الثلاثة الماضية. وتوضح رنا، المدرّسة من سكان الهامة، أن مسلحي المدينة «هددوا بإطلاق النار على المدنيين في حال خروج تظاهرات، ومنعوا الأهالي من مغادرة البلدة»، وتشير إلى أنّ ضربات الجيش كانت مركزة على أماكن تجمع المسلحين في مناطق العيون والشامية والخابوري والوادي، «حتى قَبِل المسلحون تسليم البلدة مرغمين».
وضع مأساوي يعيشه أهالي المنطقة ممن لم ينزحوا برغم الصعوبات. ويشير أيمن، أحد الموظفين، إلى أن المدنيين في قدسيا انتفضوا بعد الضغط الذي زاد بشكل كبير في الأيام الأخيرة، حيث أن «الطرقات مغلقة تماماً بعدما كان الخروج والدخول محصورين بالطلاب والموظفين والحالات الإنسانية الضرورية جداً، الأسعار زادت على 4 أضعاف ما هي عليه خارج المدينة، إضافة إلى أن الخدمات في مستوى متدنٍّ جداً». أحد أعضاء لجنة مصالحة قدسيا، فضّل عدم ذكر اسمه، أشار لـ«الأخبار» إلى أن «خروج أبناء قدسيا بتظاهرات جاء كدعم لإجراءات المصالحة التي تُجرى مفاوضاتها بين العناصر المسلحين من جهة والحكومة من جهة أخرى، بواسطة وجهاء من المدينة منذ مدة، والتي تتضمن تسوية أوضاع عدد من المسلحين مع بقائهم ضمن المدينة، بينما يجري إخراج حاملي السلاح الذين من غير الممكن تسوية أوضاعهم خارج المدينة، وغالباً ما تكون الوجهة إلى إدلب، ويجري التفريق بين الجهتين عن طريق التعاون بين الجهات الرسمية والشعبية في المنطقة». ويؤكد أن بدء تطبيق إجراءات المصالحة سيكون الثلاثاء (اليوم) بعدما جرى تجهيز قوائم المسلحين الراغبين بتسوية أوضاعهم والرغبين بالخروج من المدينة والإجراءات الرسمية اللازمة لذلك.
المصدر يلفت إلى أن «التسوية ستشمل الهامة أيضاً بعدما رضخ مسلحوها بإصرار من القوة العسكرية على إعلان المنطقة بأكملها خالية من السلاح، إلى جانب الضغط الشعبي لمدنيي البلدة»، وبيّن أن «عدد المسلحين المسجلين في قوائم المصالحة للخروج من المنطقة (قدسيا والهامة) وصل إلى 400 مسلح، وقد يتجاوز العدد الـ800 شخص في حال خروجهم مع عوائلهم».
صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي نشرت بنود المصالحة التي تضمنت أيضاً؛ «تسليم كل السلاح الموجود واستلام سلاح من النظام لإنشاء حواجز لجان شعبية، وبالنسبة للمتخلفين عن الخدمة والمنشقين تجري خدمتهم داخل المدينة لمدة ستة أشهر، ثم يجري الالتحاق بالجيش السوري أو الحصول على تأجيل عن الخدمة، ومن لا يرغب في تسوية وضعه يستطيع الخروج من المدينة».