شهدت العلاقات العراقية ــ التركية أمس، يوماً طويلاً من التوترات بدأ بتبادل استدعاء السفراء وانتهى بتلويح وتهديد عراقي بقطع كامل العلاقات مع أنقرة. وتأتي هذه التطورات غداة تصويت البرلمان العراقي على قرار وصف فيه الوجود العسكري التركي في شمال العراق بـ«الاحتلال»، مطالباً باستخدام ورقة التجارة والاقصاد في الضغط على أنقرة لاحترام سيادة العراق وسحب قواتها.

وأعلنت وزارة الخارجية العراقية صباح أمس، استدعاء السفير التركي في بغداد فاروق قايمقجي، بسبب استمرار التصريحات «الاستفزازية» لتركيا بشأن معركة تحرير الموصل، بحسب بيان رسمي صادر عن المتحدث باسم الوزارة أحمد جمال. ولم يمرّ سوى نصف ساعة على هذا الإجراء، حتى أعلنت وزارة الخارجية التركية استدعاء السفير العراقي في أنقرة هشام العلوي، بسبب قرار البرلمان العراقي أمس.
ورأت لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي قرار استدعاء السفير بأنه «خطوة استفزازية تهدف إلى القضاء على البقية الباقية من العلاقات بين البلدين». وقال عضو اللجنة خالد الأسدي لـ«الأخبار»، إنّ خطوات تركيا وتصريحات مسؤوليها تمثل انتهاكاً واضحاً للقوانين الدولية ومبادئ حسن الجوار، داعياً إياها إلى «الابتعاد عن سياستها الطائفية».
ولم تقف أنقرة عند ذلك الحدّ، فقد نشرت وكالة «الأناضول» تصريحات لنائب رئيس الوزراء والمتحدث باسم الحكومة نعمان قورتولموش، قال فيها إن تركيا لن تسمح بجعل مسألة معسكر بعشيقة محل نقاش، مشيراً إلى أن «الجميع يعلم أنّ الإدارة المحلية في شمال العراق وحكومة (رئيس إقليم كردستان مسعود) البرزاني طلبت من الوحدات التركية تأهيل القوات المحلّية وتدريبها، بهدف تحرير الموصل».
وبحسب قورتولموش، إن «وجود القوات التركية في بعشيقة هو بهدف حماية سكان الموصل، ولمعالجة حالة عدم الاستقرار التي تنجم عن ظهور التنظيمات الإرهابية في المنطقة».
وكان مجلس النواب قد شهد أول من أمس، مشادة كلامية بين النائب عن ائتلاف «دولة القانون» حيدر المولى ونواب عن حزب البرزاني، بعد دعوته لاستضافة الأخير في البرلمان لـ«سماحه» للقوات التركية بالدخول إلى الأراضي العراقية، بحسب ما أكده مصدر برلماني لـ«الأخبار».
وردّ المتحدث باسم الحكومة العراقية سعد الحديثي على تصريحات قورتولموش، عاداً إياها «تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية العراقية». وقال لـ«الأخبار» إنّ «تلك التصريحات منافية للقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، وتسيء إلى علاقات الشعبين»، مشدداً على أنه لا يمكن السكوت عنها.
في تلك الأثناء، تحدثت مصادر مطلعة وأخرى قريبة من الحكومة، عن «السر» في التصعيد التركي الأخير، الذي تمثل بقرار البرلمان التركي تمديد الوجود العسكري وتصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان لإحدى القنوات الفضائية بشأن الموصل، موضحة أن أردوغان بعث برسالة، قبل أيام عبر شخصية سياسية كبيرة، إلى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بشأن الموصل «ما قبل التحرير وبعده».
وأشارت المصادر إلى أن الرسالة تضمّنت إيجاد ما يشبه منطقة نفوذ لتركيا في نينوى بعد تحريرها ومطالب أخرى.
وأكدت المصادر أن العبادي أبلغ الشخصية الوسيطة رفضه «المطلق والكامل» لتلك الرسالة وما تضمنته، مؤكداً «استحالة» الموافقة عليها.
في السياق ذاته، حذّر مظهر محمد صالح، أحد كبار مستشاري العبادي، أمس، من استراتيجية تركيا، وقال إنها تهدف إلى خلق «كيان» يمتد من الموصل إلى مدينة الرقة السورية، مشيراً إلى أن تلك الاستراتيجية تقوم على أساس التهديد بحرب المياه، عبر التحكم بسد الموصل ومياه خزاناته على نهر دجلة وسد الطبقة السوري والتحكم بمياه الفرات. وأضاف صالح، في مقال نشره على صفحته على موقع «فايسبوك»، أن «التهديد بالمياه هو اللعبة الجديدة التي ستمارس بغية ديمومة الاحتلال، من خلال الكيان الجديد الهجين العراقي ــ السوري».
في غضون ذلك، كشف قيادي في «الحشد الشعبي» عن استعداد قواته لمواجهة القوات التركية إذا تطلّب الأمر ذلك. وقال المتحدث باسم حركة «بابليون» (أحد فصائل «الحشد») ظافر الألقوشي لـ«الأخبار»، إن «قوات الحشد الشعبي، بالتعاون مع القوات الأمنية، اتخذت كافة التدابير ووضعت خططاً بديلة تحسّباً لأي مواجهة محتملة مع القوات التركية».
سياسياً، كشف مصدر مقرّب من الحكومة عن نية الأخيرة تقديم شكوى جديدة إلى مجلس الأمن الدولي وجامعة الدول العربية، وطلب عقد اجتماعين عاجلين للمؤسستين لإدانة الوجود العسكري التركي في العراق، الذي يقترب من إكمال عامه الأول.