لقيت الرسائل الأميركية الباحثة عن ممرّ لإعادة إحياء مسار المباحثات نحو الوصول إلى وقف جديد لإطلاق النار تجاوباً من الطرف الروسي. ورغم التعثّر الذي أصاب المباحثات بين البلدين وقلّص فرص التهدئة على الأرض، فتحت الزيارة الفرنسية إلى موسكو أمس مدخلاً جديداً للطرفين يتيح العودة إلى تفاوض جديد يرعاه مجلس الأمن ويدعم مقرراته على خلاف «اتفاق جنيف» السري، الذي لم يجد طريقه إلى المنظمة الدولية. وأبدت موسكو مرونة باتجاه العودة نحو «هدنة» وفق مسودة القرار الذي أعدّته باريس، بالتوازي مع رفع السقف والتأكيد أنها ستعمل على نصّه وتقترح تعديلات وإضافات، بينها ذكر ضرورة فصل المعارضة «المعتدلة» عن المنظمات الإرهابية، وخاصة «جبهة النصرة»، وهو ما قد يفتح سِجالاً جديداً مع واشنطن وحلفائها، في حال أصرّت موسكو على تضمين تفاصيل هذا الإجراء وآلياته.
صواريخ «المنظومتين» قد تشكّل مفاجأة لأيّ هدف جويّ غير معروف

وفي مقابل هذا القبول المبدئي الروسي بالعودة نحو السياسة، حذّرت موسكو بشكل واضح من عواقب إقدام الولايات المتحدة على استهداف مواقع الجيش السوري، موضحة عبر بيان لوزارة الدفاع أنها ستعتبرها تهديداً لأفراد قواتها الموجودين في عدد كبير من تلك النقاط. وذكّر بيان الوزارة بأن دمشق تمتلك منظومتي الدفاع الجوي «اس 200» و«بوك»، وتعمل منظومتا «اس 300» و«اس 400» على حماية المصالح العسكرية الروسية هناك، لافتاً إلى أن «صواريخ المنظومتين قد تشكّل مفاجأة لأي هدف جوي غير معروف». وبالتوازي مع التحذيرات الروسية، أكد الرئيس السوري بشار الأسد أن دمشق مستمرة في عمليتها العسكرية حتى طرد المجموعات المسلّحة من مدينة حلب وغيرها، من دون إغلاق الباب على احتمال نجاح مصالحة في المدينة بما يجنّبها حجماً كبيراً من العمل العسكري.
وفي إطار السعي لتمرير مشروع القرار الفرنسي، التقى وزير الخارجية الفرنسي جان مارك ايرولت، أمس، نظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو. وأعلن الأخير استعداد بلاده للعمل على مشروع القرار الفرنسي في مجلس الأمن، معرباً عن أمله في أن تؤخذ التعديلات والآراء التي ستقدمها بلاده حول المشروع بعين الاعتبار. واشترط أن لا يتعارض مشروع القرار مع «المقاربات المبدئية الواردة في الاتفاقات الروسية الأميركية، وأن يأخذ بعين الاعتبار القرارات التي سبق أن اتخذها مجلس الأمن والمجموعة الدولية لدعم سوريا». وأوضح خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الفرنسي، أن منظومتي الدفاع الجوي «اس 300» و«اس 400» في سوريا «دفاعيتان ولا تشكلان تهديداً لأحد، ومهمتهما توفير الأمن والسلامة لقواتنا في قاعدة حميميم وميناء طرطوس، لأن الوضع غير مستقر». وأشار إلى أن بلاده «لن تتراجع» عن المطالبة بفصل «المعارضة المعتدلة» عن «جبهة النصرة»، مضيفاً أنه «على الرغم من قرار واشنطن تعليق الحوار حول سوريا، ما زالت موسكو ودمشق مستعدتين للوفاء بالتزاماتهما وفق حزمة الاتفاقات الروسية الأميركية. من جهته، قال ايرولت إن «القصف العشوائي لمدينة حلب يغذي الإرهاب ويخلق جيلاً جديداً من الإسلاميين المتطرفين»، معتبراً أن «الوقت لم يفت لوقف القصف... غير المبرر». وأشار إلى أنه أوضح للجانب الروسي أن ما يجري في المدينة «لا يمكن لأي طرف التساهل معه».
وبالتوازي مع المبادرة الفرنسية، أبدى نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، ترحيب بلاده بما ذكره المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، حول خروج عناصر «جبهة النصرة» من أحياء حلب الشرقية برعاية أممية وبمرافقته شخصياً، لسحب «مبرر موسكو ودمشق لمواصلة الهجوم عليها»، مشيراً إلى أنه في حال بقيت الأمور على هذا المنوال، فقد «تدمّر أحياء شرق حلب بالكامل خلال شهرين أو شهرين ونصف شهر كحد أقصى». وأشار إلى أن الشرخ «الذي يزداد اتساعاً» في العلاقات بين واشنطن وموسكو يشكّل «نكسة خطيرة» لعمل «المجموعة الدولية لدعم سوريا».
وعلى صعيد آخر، أعربت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا عن اعتقاد بلادها بوجود رابط بين التهديدات الأميركية «المبطّنة» ضد موسكو، والقصف الذي تعرضت له السفارة الروسية في العاصمة السورية دمشق قبل أيام، موضحة أن قصف السفارة «حصل من منطقة تسيطر عليها جبهة فتح الشام». واتهمت واشنطن والدول الغربية بشنّ حرب إعلامية على بلادها بهدف حماية «النصرة»، لافتة إلى إمكانية إطلاق مرحلة من الحوار حول سوريا مجدداً مع واشنطن، عقب الانتخابات الرئاسية التي ستجري في تشرين الثاني المقبل.