ثبتّت إسرائيل المعادلة الجديدة، إزاء قطاع غزة، التي بدأت بإرسائها منذ أواخر آب الماضي. فأكدت باعتداءاتها الواسعة (قبل أيام 35 غارة) ردا على صواريخ عشوائية لم تؤدّ إلى سقوط إصابات أن سقف ردودها على مثل هذه الصواريخ، سيكون مختلفا عن ردود المرحلة التي تلت عملية «الجرف الصامد»، خلال السنتين الماضيتين. وتسعى الاعتداءات الإسرائيلية الجوية والبرية الواسعة، خلال أقل من شهرين، إلى تثبيت رسالة مفادها بأن حركة «حماس» هي المسؤولة عملياً عن كل صاروخ يُطلق من القطاع، حتى لو لم تقف هي وراءه، بل حتى لو كان ذلك جزءا من أدوات ضغط تمارسه مجموعات سلفية ضد الحركة، عبر استدراج العدو لتوجيه ضربات إليها.

مع ذلك، يبدو واضحا أن الإسرائيلي يستند في قراره بتوسيع نطاق العدوان إلى تقدير مفاده بأن «حماس» غير معنية في المرحلة الحالية بجولة قتال إضافية لأسباب عدة منها الواقع الذي يشهده القطاع، لكن السؤال الأكثر حضورا في خلفية وأهداف الهجمات الإسرائيلية: لماذا لا تستهدف إسرائيل الخلايا والمجموعات السلفية التي تقول إنها من تقف وراء عمليات إطلاق الصواريخ، ومن الواضح تماما أنها تملك المعلومات الاستخبارية الكافية عنها، وتكتفي بدلا من ذلك بتوجيه ضربات مدروسة إلى «حماس»، ومواقع أخرى لفصائل المقاومة؟
المشهد العملاني في غزة يكشف عن أن الردود الإسرائيلية موجهة بشدة إلى «حماس»، لا الى المجموعات التي تطلق الصواريخ. ويدرك من اتخذ القرار بإطلاق الصواريخ أن رد إسرائيل سيكون قاسيا وواسعا، نسبياً، وضد «حماس» تحديداً، وعلى هذا الأساس يتخذ قراره. في المقابل، تعلن إسرائيل رسميا وعملانيا، قبل وبعد إطلاق الصواريخ، أن ردودها ستكون موجهة ضد الحركة، لكونها المسؤولة عن الواقع الأمني في القطاع؛ ويعني ذلك، أنه بات بوسع هذه المجموعات أن تختار التوقيت الملائم لها لتوجيه ضربات إلى الحركة، ولكن عبر سلاح الجو الإسرائيلي!
مع أن إسرائيل تدرك مسبقاً بأن من يطلق الصواريخ يسعى إلى دفعها إلى استهداف «حماس»، فإنها تفعل ذلك؛ فهل تريد إسرائيل إحراج «حماس» لمصلحة المجموعات السلفية. أم تريد دفعها إلى خوض معركة استئصال ضد هذه المجموعات بدلا من الرد على النيران الإسرائيلية، وذلك من أجل حماية نفسها؟ أيضا، هل تريد إسرائيل دفع الحركة إلى خوض صراع داخلي في القطاع، أم تريد فعلا التدرج وصولا إلى عملية عسكرية واسعة؟ الرسالة التي ينطوي عليها الرد الإسرائيلي أنها تقول للجماعات السلفية في غزة إن تكتيكاتها ناجحة، من ثمّ، فإن الاستمرار في سياسة تنقيط الصواريخ هي خيار مجدٍ ويحقق الأهداف المرسومة له. وهو ما يعني أيضا أن الردود الإسرائيلية تمثّل تشجيعا لتلك الجماعات على معاودة إطلاق الصواريخ في التوقيت الذي تراه ملائما لها، وفي سياق الكباش الذي تخوضه مع «حماس».

ماذا لو تسبب أحد الصواريخ العشوائية في قتل إسرائيليين؟

في المقابل، ما الذي تريده المجموعات السلفية: هل تريد إحراج «حماس» وتقديمها كمن يحمي الحدود الإسرائيلية، أم تريد فعلا التسبب في عملية عسكرية واسعة... أم ردعها عن اعتقال عناصرها، وإلا فإن الثمن هو غارات جوية إسرائيلية؟ في السياق: هل تريد هذه الجماعات خوض معركة داخلية مع الحركة، ولكن بالطريقة التي تقدم الأخيرة كأنها «حزام أمني» لإسرائيل ضد المجموعات التي تريد ممارسة «حق المقاومة» ضد الاحتلال؟
مهما كانت الإجابات، المؤكد أن هناك تناغما فعليا وكاملا بين هذه المجموعات والجيش الإسرائيلي، في استهداف «حماس»، لكن، ماذا لو أدى سقوط أحد الصواريخ العشوائية إلى قتلى وجرحى إسرائيليين، كيف سيكون الرد الإسرائيلي وما هو سقفه؟ وفي حال تجاوز الرد الإسرائيلي سقوفا معينة، ماذا لو ردت «حماس»، أو أي من فصائل المقاومة الأخرى؟ الواضح أن هذه المجموعات تلعب على حافة الهاوية مع «حماس».
على خط مواز، تدرك إسرائيل أن غياب رد المقاومة حتى الآن لا يعني بالضرورة أنها ستسكت دائما ومهما كانت النتائج، لذلك، رغم الارتقاء في سياسة التصعيد، فإن تل أبيب حريصة على تجنب حشر الطرف الفلسطيني. حتى لا تدفعه إلى الرد القاسي، ولو مكرها. وهو ما يُفسر عدم إعلان سقوط شهداء. وبعيدا عن الجانب الردعي والسياسي، يبدو واضحا أن جيش العدو يستغل التوجهات الرسمية بالتصعيد، كي يستهدف ما يراه أولوية من الناحية العسكرية. هنا تلفت تقارير إسرائيلية إلى أن السياسة الجديدة تدمج بين نيران الدبابات ضد مواقع لـ«حماس»، وإلقاء قنابل بوزن ثقيل عبر الطائرات الحربية بعد ساعات معدودة في وضح النار ضد أهداف مهمة للحركة.
ووصفت صحيفة «يديعوت احرونوت» عمليات الاستهداف بأنها كانت دقيقة وجراحية، وتسعى إلى ضرب القدرات الاستراتيجية التي تعدها «حماس» للحرب المقبلة. وأضافت أن الجيش يعمل الآن على فحص نتائج الهجمات ضد أهداف جرى اختيارها نتيجة جهد استخباري بذلته أجهزة «الشاباك» و«أمان» على مدى أشهر طويلة. وتابعت التقارير أن «الهدف رقم واحد» بالنسبة إلى الجيش، وفق تحديد رئيس الأركان غادي ايزنكوت، هو تحديد وتحييد تهديد الأنفاق التي تقع خارج الحدود، وتستثمر «حماس» موازنتها فيها.
من جهة أخرى، رأى المعلق العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، أن «فصائل صغيرة، وشبه مهملة، تنجح الآن في إملاء قواعد اللعبة في غزة على قوتين أساسيتين: إسرائيل وحماس. وإذا أرادت تستطيع أن تفجر الصاعق الذي يمكن أن يؤدي إلى التدهور نحو مواجهة عسكرية جديدة». وأضاف هرئيل: «برغم أن غزة ساحة ثانوية، على خلفية التداعيات العالمية للحرب السورية، والحرائق الأخرى التي تشتعل في الشرق الأوسط، فإن هذا الواقع يمكن أن يتغير بحدّة وبسرعة، لو نتيجة إطلاق صاروخٍ واحد، إذا ما أدى إلى وقوع إصابات».