لم يعد بالإمكان الحديث عن مفاجأة لدى تنفيذ عملية جريئة داخل فلسطين المحتلة؛ ما إن يتوهم العدو أنه استطاع أن يقمع الانتفاضة الشعبية الجارية، أو على الأقل الحد من مفاعيلها، حتى يتلقى ضربة قاسية جديدة تبدد أوهاماً قد تراود بعض من في الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.

مع ذلك، يمكن الحديث عن مفاجآت تكتيكية تتصل بالمكان والزمان. فبعد مضي سنة على انطلاقتها، تجدد الانتفاضة نفسها باستئناف عملياتها، وتؤكد مرة أخرى تبدد رهانات قادة العدو، وأي طرف إقليمي يسعى إلى حرف الصراع عن فلسطين باتجاه عناوين أخرى.
من الواضح أنه كان لعملية القدس مفاعيل قاسية في الساحة الإسرائيلية، كونها أدت إلى خسائر بشرية مؤلمة، وتم تنفيذها في سياق الأعياد اليهودية التي تستنفر فيها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وتتخذ أشد الإجراءات بهدف إشعار الجمهور الإسرائيلي بقدر من الشعور بالأمن الشخصي، وأيضاً بفعل اختيار المقاوم (الشهيد مصباح أبو صبيح 40 عاماً)، أسلوباً أكثر فعالية من الأساليب الأخرى، كونه توافرت له إمكانات ذلك، ما أضاف ظلالاً ثقيلة من القلق والشعور بالخوف في الوسط الإسرائيلي.
مما اتسمت به هذه العملية التي شهدت اشتباكاً حياً بالرصاص في النهار، أنها انطلقت من الداخل، وليست نتيجة تسلل أحد المقاومين من الضفة المحتلة، بل نفذها أحد سكان القدس ممن يحملون الهوية الزرقاء، وهو ما يؤكد عجز الأجهزة الاستخبارية عن تلمس إنذارات مسبقة تسمح لها باتخاذ إجراءات وقائية أو استباقية، كما قد يحدث مقابل فصائل المقاومة.
والتراتبية في مثل هذه الحالات تكون كالآتي: صانع القرار والمستطلع والممول هو المقاوم المنفذ، وساحة الانطلاق من الداخل، كما أن التنفيذ تم في الداخل، وتحديداً أمام «مقر قيادة الشرطة في القدس الشرقية». هذه المواصفات دفعت قادة العدو العسكريين والسياسيين، إلى جانب المعلقين، إلى الاعتراف بالعجز في التصدي لهذا النوع من العمليات.

ردّاً على العملية، سمح نتنياهو بعودة عمل «لواء الاستيطان»

لكن، على المستوى السياسي، المسؤولية عن مواجهة هذا النوع من العمليات ليست من مهمات وزير الأمن أفيغدور ليبرمان، وإنما هي ملقاة على عاتق وزير الأمن الداخلي غلعاد أردان، الذي وصف العملية بـ«الحدث الفظيع والقاسي» بعد مقتل شرطي وامرأة إسرائيليين وإصابة خمسة آخرين بجروح. وأقر أردان بأنه «في جميع تقديرات الوضع التي أجريناها، لم يكن أي إنذار لحدث مركز كهذا»، لافتاً إلى أن «المنفذ يحمل هوية زرقاء».
مع ذلك، أوضح وزير الأمن الداخلي أنه «في أعقاب ارتفاع نسبة التحريض ضد إسرائيل ستقع عمليات... على ضوء العملية، تم تعزيز قوات الشرطة وحرس الحدود في القدس، وإن اقتضت الضرورة سيتم الدفع بمزيد من أفراد الشرطة وخاصة بسبب اقتراب الأعياد اليهودية». كما اتهم «فايسبوك بخلق قاعدة للتحريض»، مضيفاً أن إدارة الموقع الأزرق «أعادت حسابات عناصر حماس التي طالبت إسرائيل بإغلاقها».
وفي ما يتعلق بالمرحلة اللاحقة، تشكل عملية القدس بالنسبة إلى أجهزة التقدير في تل أبيب إنذاراً عاماً ومؤشراً على عمليات لاحقة، ويستندون في ذلك إلى أن كل عملية كانت تجرّ وراءها سلسلة من العمليات، وخاصة إذا تركت أصداء واسعة في الواقع الإسرائيلي بفعل نجاحها. أما فلسطينياً وعربياً، فتجسد العملية إرادة النضال الجمعي للشعب الفلسطيني، وتنطوي على رسائل صارخة بأن فلسطين هي بوصلة الصراع.
في السياق، رأت صحيفة «هآرتس» أن العملية «مرتبطة بالصراع الدائم على المسجد الأقصى شرقي القدس، ونتيجة اقتناع فلسطيني بأن إسرائيل تحاول جر أرجل المسلمين من المسجد، وبالتأكيد في موسم الأعياد»، مشيرة إلى أن العملية تم تنفيذها في مكان مركزي وأدت إلى خسائر بشرية، كما وثقتها الكاميرات. وباعتبار أن المنفذ شخصية معروفة وسط الناشطين شرقي القدس وقد اعتقل سابقاً وكان بانتظار قرار الإبعاد عن القدس ومنعه من السفر، فإن هناك عدداً من الأسباب للتقدير بأن هذه العملية ستجر عمليات مشابهة قريباً، وخاصة في القدس والخليل.
وعلى ضوء تراجع الشعور بالأمن الشخصي في القدس، ستدرس شرطة العدو تعزيز المزيد من قواتها في المدينة، إضافة إلى تعزيز انتشار الجيش في الضفة، وفق «هآرتس»، التي لفتت إلى أن تشرين الأول قبل عام بدأت فيه موجة عمليات مشابهة، لكنها تراجعت بالتدريج في نيسان وأيار الماضيين، ثم جاءت عمليات أخرى. وعلى قاعدة استخلاص العبر، رأت الصحيفة أن الإسرائيليين استخلصوا عبراً عملانية وعالجوا عدداً من نقاط الضعف، ما أدى إلى المساعدة في تقليص خطر اشتعال انتفاضة واسعة، كما أن «كبح الموجة السابقة للانتفاضة تحقق إلى حد كبير بفعل التنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة». لكن «هآرتس» حذرت من ضعف السلطة ومفاعيل الوضع الصحي للرئيس محمود عباس، على الشارع، وأن ذلك قد يؤدي إلى موجات جديدة من الانتفاضة.
ومن الطبيعي أن تتكرر ردود الفعل الإسرائيلية ضمن حسابات الداخل، ومنها بعد العملية: الدعوة إلى تعزيز نشاط الاستخبارات والقيام بما يعزز الردع الإسرائيلي في مواجهة الشبان الفلسطينيين، والتركيز على بعض المناطق التي ترى المؤسسة الإسرائيلية أنها بيئة مناسبة للانطلاق من أجل تنفيذ مثل هذه العمليات.
على المستوى الاستيطاني، صدرت دعوات إلى الرد عبر المزيد من الاستيطان في محاولة لتوظيف العملية والرد عليها بما يخدم الأولويات الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة والقدس، وهو ما استجاب له بنيامين نتنياهو بسماحه، أمس، لما يعرف بـ«لواء الاستيطان»، المسؤول عن تطوير المستوطنات اليهودية في الضفة، بالعمل مجدداً سنتين من التوقف. لكن ذلك يؤكد تجاهل إسرائيل حقيقة أن الاحتلال والاستيطان والاعتقالات التعسفية، أكبر عامل محرض لأي شعب يخضع تحت الاحتلال.