بعد أيام على الذكرى السنوية الأولى للعملية العسكرية الروسية في سوريا، تدخل موسكو مرحلة جديدة من الوجود العسكري الدائم مع إعلانها نيتها لإنشاء قاعدة بحرية دائمة في مدينة طرطوس السورية، وذلك بعد أيام من إعلان نشر منظومة «اس 300» للدفاع الجوي. ويأتي الإعلان الروسي بالتوازي مع تصاعد الاتهامات والتحذيرات المتبادلة مع واشنطن بعد فشل المساعي الديبلوماسية الثنائية، والأممية داخل مجلس الأمن، في إعادة إحياء اتفاق وقف إطلاق النار في سوريا. وقد يعكس الاستعجال الروسي لإقرار مشروع القانون الخاص بالقاعدة عبر وضعه كأولوية على جدول أعمال البرلمان، وفق تصريحات لعدد من أعضائه، الرغبة في الدفع بقوات عسكرية جديدة كمّاً ونوعاً، إلى الساحة السورية، في وجه تسريبات واشنطن عن خططها للتدخل العسكري المحدود ضد دمشق.
طهران: تعزيز التعاون مع موسكو ودمشق بات أمراً ضرورياً

وسيتيح إنشاء القاعدة لموسكو إرسال قوات برية وقطع بحرية إضافية تحت غطاء القانون الدولي، وهو ما سيعزز حضورها العسكري بدعوة من الحكومة السورية. وضمن هذا الإطار، رأى نائب رئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس النواب الروسي، فرانز كلينتسفيش، أن «وجود القاعدة البحرية بشكل دائم سيتيح لروسيا إرسال أي عدد تريده من القوات إلى طرطوس بحسب طبيعة المهمات القتالية، وستحمي القاعدة العسكريين الذين سيخدمون فيها وفقاً للقانون الدولي»، مضيفاً أنه «سيصبح من غير الممكن، أن يعترض أحد على هذا الحق».
ويأتي الإعلان بعد أيام قليلة على مواجهة ديبلوماسية حول سوريا داخل مجلس الأمن بين موسكو من جهة وواشنطن وحلفائها من جهة أخرى، انتهت بفشل مشروعي «هدنة» مختلفين وهددت بإنهاء آمال المسار السياسي. غير أن موسكو أشارت أمس بوضوح على لسان وزير خارجيتها، سيرغي لافروف، خلال تصريحات صحافية من اسطنبول، إلى أن استئناف التعاون الروسي ــ الأميركي حول سوريا هو «أمر متروك لواشنطن»، معرباً عن استعداد بلاده للتعاون «بأي صيغة، قديمة كانت أو جديدة».
وفي سياق متقاطع مع الدعوات إلى التهدئة، أعلنت وزارة الخارجية السورية استعداد الحكومة التام لضمان سلامة المدنيين القاطنين في أحياء حلب الشرقية والراغبين في المغادرة، وتوفير متطلبات العيش الكريم لهم. وأوضح مصدر في الوزارة لوكالة «سانا» أن الحكومة تضمن «سلامة من يرغب من المسلحين في الخروج من المنطقة وتسوية أوضاعهم أو التوجه بأسلحتهم الفردية إلى أماكن أخرى يختارونها»، إضافة إلى «إخلاء الجرحى والمصابين وتقديم الرعاية الطبية لهم».
وبدا لافتاً، أنه برغم اعتراض حلفاء واشنطن على مشروع «الهدنة» الروسي في مجلس الأمن الذي يتضمن «فصل المعتدلين عن النصرة»، عاد وزير الخارجية الفرنسي، جان مارك إيرولت، ليشدد في خلال محادثة هاتفية مع منسّق «الهيئة العليا للمفاوضات»، رياض حجاب، على ضرورة «فكّ جميع الجماعات المسلحة التابعة للمعارضة أي ارتباط لها مع جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً)»، مؤكداً استمرار «دعم بلاده التام للمعارضة المعتدلة»، وفق بيان لوزارة الخارجية.
على صعيد آخر، قال الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، خلال استقباله مبعوث الرئاسة الروسية إلى سوريا، الكسندر لافرينتييف، إن تعزيز التعاون بين بلاده وروسيا وسوريا «بات أمراً ضرورياً وحاجة ماسة»، لافتاً إلى أن «وجود الإرهابيين في حلب يمثل المانع الرئيسي لإيصال المساعدات الإنسانية إلى أهالي المدينة المحاصرين»، إضافة إلى أن «المقترحات التي قدمت في هذا المجال والتي تقترح إخراج المسلحين من المدينة قوبلت بالرفض من أميركا وحلفائها».
إلى ذلك، انتقدت موسكو تصريحات وزير الدفاع البريطاني، مايكل فيلون، حول مسؤولية روسيا عن إطالة أمد الحرب في سوريا. وتساءل المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية، إيغور كوناشينكوف،عن نجاحات بريطانيا في مجال مكافحة الإرهاب وإيصال المساعدات إلى الشعب السوري، مشيراً إلى أن «قوات بريطانيا والدول الغربية كانت تسيطر على أجواء سوريا حين تمدّد تنظيم (داعش) قبل وصول القوات الروسية».
وكان الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، قد هاجم الرئيس السوري بشار الأسد، خلال مقابلة مع قناة «دويتشه فيلله» الألمانية، معتبراً أن «فشله في أداء دوره كرئيس، سبّب مقتل نحو 300 ألف شخص»، وطالب مجدداً بإحالة الملف السوري على المحكمة الجنائية الدولية، مضيفاً أنه طلب من واشنطن وموسكو «العمل على إعادة العمل بوقف إطلاق النار»، من أجل «تقديم المساعدات الإنسانية الحيوية». كذلك، قال وزير الخارجية الفرنسي خلال حديث لإذاعة «فرانس انتير»، إن بلاده تعمل على إيجاد طريقة تمكّن ممثلة الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية من «فتح تحقيق في جرائم حرب ترتكبها القوات السورية والروسية في شرق حلب». وفي السياق، أقرّ مصدر ديبلوماسي فرنسي خلال حديث لوكالة «رويترز» بصعوبة الأمر، غير أنه قال إن «باريس لا تستبعد كذلك قراراً جديداً من مجلس الأمن عن المساءلة».