طرحت مجزرة القاعة الكبرى التي ارتكبها النظام السعودي في صنعاء أسئلة جديدة عن فكرة الارتهان الذي قد يسببه المال، دافعاً أبناء البلد إلى الوقوف إلى جانب الجاني على حساب حق الضحية. ويبدو أن اليمن موعود من فترة إلى أخرى، بولادة أشكال مختلفة من حالات الارتباط بالمال السعودي. وكأن العملية تجري على قاعدة توريث، ويحصل فيها نقل الراية من يد إلى أخرى.

انطلقت علاقة المال بدايةً من «صندوق الأمير نايف»، إذ كان يصل أموال لنخب يمنية كثيرة من مشائخ وقادة جيش وأكاديميين على هيئة رواتب شهرية لم تنقطع إلى اليوم. أما اليوم في ظلّ العدوان، فقد ظهر جيل جديد يحاول بكل طاقته أن يُبقي على ذلك الصندوق مفتوحاً، وأن لا ينقطع ماله من الجريان.
مع هذا، تبدو مفارقة لافتة تفصل بين جيل «صندوق نايف» السابق والجيل الحالي الراغب في استمرار تدفق ذلك المال. لقد كان السابقون يتسلمون حصصهم الشهرية، ولم يكن عليهم إعلان عبارات الشكر والامتنان في كل مرة. بل إن البعض منهم كان يعتبر ذلك المال «حقاً» ويُدخله في سياق الأثمان الواجب دفعها من أجل السكوت عن قضية الأراضي اليمنية التي لا تزال محتلة من النظام السعودي.
يمكن القول إنهم مرتزقة، لكنهم يحملون بداخلهم شيئاً من كرامة. فيما يبدو الجيل الحالي عارياً من كل شيء، وهم مجموعة من أهل الإعلام الذين وجدوا في فنادق الرياض إقامة هانئة لهم ومنها يمارسون دفاعهم عن «الملك» بلهجة تتفوق على مستوى لهجة الدفاع لدى أبناء الملك أنفسهم. وسنجد في جريمة «القاعة الكبرى» مثالاً طازجاً على ذلك.
ففي الوقت الذي بدا فيه أن حكام السعودية كانوا بحاجة لساعات طويلة كي يدركوا مستوى الجريمة التي قاموا بها عبر قصفهم قاعة العزاء، التي أوقعت نحو 700 ما بين شهيد وجريح، لم يكونوا يعلمون أن ما بعد تلك المذبحة ليس كما قبلها، وبناءً على ذلك راحوا لدفع أدواتهم الإعلامية لترفع عنوان «لم نقصف»، فيما تعمّدت شاشات آل سعود جعل خبر «المذبحة» هامشياً، وحين يأتي المرور عليه يضعونه في إطار «أسباب داخلية»، في إشارة من جهتهم إلى أن الواقعة قد جاءت نتيجة لتفجير من داخل القاعة. وهي النظرية التي تبرع إعلاميو اليمن في الرياض لتبنيها ولم يتراجعوا عنها على الرغم من توالي بيانات الإدانة الدولية تجاه مجرم واحد بعينه.
من جهته، بدا الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أنه قد أعاد التفكير مع اقتراب انتهاء فترة رئاسته في مرحلة القلق الدائمة التي بقي عندها لينتقل إلى مرحلة أخرى بعد اعترافه بالخضوع لضغط المال السعودي وإرغامه على حذف اسم المملكة من القائمة السوداء في تقرير الأمم المتحدة السنوي عن الأطفال والصراع المسلح الذي يغطي عام 2015، حيث قال في تصريح له حول مجزرة القاعة الكبرى إن ما حدث «مذبحة هائلة»، مشيراً إلى ضرورة «المحاسبة على الإدارة المروّعة للحرب في اليمن».
كذلك أعاد المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة زيد رعد الحسين التذكير بتقاعس الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان عن التحقيق في جرائم الحرب في اليمن، وهو «ما أسهم في الإفلات من العقاب».
كان لكل هذا التسارع أن يدفع السعودية إلى رفع رسالة غير معلنة، بثتها هيئة الإذاعة البريطانية، إلى مجلس الأمن حول رغبتها بتشكيل مجلس تحقيق. لقد كان اعترافاً واضحاً بارتكاب المجرزة، وإن كان في جانب من الرسالة نية لتحميل آخرين مسؤولية ما حدث، إذ تضمنت أنّ «من غير الواضح ما إذا كان الطيار الذي قصف الصالة قد نفذ ذلك بناءً على أوامر صدرت له من قادته أو لا».
لكن على الرغم من كل هذا التسارع الذي سارت عليه وقائع ما بعد مجزرة الصالة، لا تزال شاشات الإعلام السعودي تبث لمشاهديها حضوراً لوجوه إعلاميين يمنيين من المنتمين إلى ذلك الجيل الراغب في تسلّم «راية المال» من «صندوق نايف»، وهم يواصلون ترداد تحليلاتهم الذاهبة في تحميل الداخل اليمني مسؤولية ما حدث، وأن التفجير الذي حصل في القاعة كان بسبب تفخيخ حصل من داخلها. وهي تحليلات تجاوزت على نحو هزلي حالة الاتفاق التي صارت بالإجماع على مسؤولية النظام السعودي في ارتكاب الجريمة بما فيها رسالة الاعتراف السعودية نفسها... يبدو أنه سيكون على اليمنيين أن يقطعوا طريقاً طويلة في سبيل التخلّص من أسباب هيمنة آل سعود على قرارهم الوطني.