لم يكن "التحالف الوطني" في العراق، في يوم من الأيّام، كياناً حقيقيّ الوجود والصفات. كلّ ما كان يجمع تلك القوى المتنافرة في الأهداف والإستراتيجيّات هو الإصطفاف الطائفي ليس إلّا. راهناً، لا يحمل "التحالف" من سمات التحالفات السياسية إلّا الإسم. على الرغم من عودة اجتماعاته للإلتئام بعد انقطاع دام حوالى سبعة أشهر، وانتخاب رئيس "المجلس الإسلامي الأعلى"، عمار الحكيم، رئيساً له (لسنة) خلفاً لوزير الخارجية، إبراهيم الجعفري، بما أنهى خلافاً عمره عامان حول موقع الرئاسة، لا يبدو أن مياه "الوطني" ستعود لمجاريها التي سلكتها إثر انتخابات آذار/مارس 2010، عندما وجدت قواه نفسها مضطرة للإجتماع على كلمة واحدة، بهدف الإحتفاظ بمنصب رئيس الوزراء، ومنع ذهابه إلى القائمة المنافسة، آنذاك، بزعامة إياد علاوي.

اليوم، يظهر كلّ قطب من أقطاب "التحالف" ساعياً إلى تعزيز مواقعه الخاصّة، استعداداً لما ستؤول إليه الخارطة السياسية عقب تحرير مدينة الموصل من تنظيم "داعش"، واستعداداً للإنتخابات المحلّية المقرّرة في 2017، والبرلمانية المنتظرة في 2018.

يتحيّن الصدر الفرص لتصفية الحسابات القديمة تحت لافتة إصلاحية

الصدر: لعبٌ في الممنوع

من جهة التيار الصدري، بزعامة مقتدى الصدر، عادت مؤشّرات التصعيد لتنبئ بدوّامة جديدة من الخلافات. لم يكد الصدر يعلن انتهاء مقاطعته لاجتماعات "التحالف"، ويبدأ مناقشة ورقة شروطه فيها، حتّى ارتدّ إلى نغمة التظاهرات، داعياً أنصاره إلى التظاهر أمام محكمة الساعة، بعد انتهاء مراسم عاشوراء، احتجاجاً على إبطال المحكمة الإتّحادية قرار رئيس الوزراء، حيدر العبادي، إلغاء مناصب نوّاب رئيس الجمهورية، نوري المالكي، إياد علاوي، وأسامة النجيفي.
دعوة تمثّل امتداداً لمسار بدأه الصدر قبل أشهر ضدّ خصمه اللدود، المالكي، متحيّناً الفرص لتصفية الحسابات القديمة، تحت لافتة "إصلاحية" كبرى تروم إنهاء الفساد ومحاربة أربابه. الأخطر في ذلك المسار أنّه سيظلّ يمثّل في المرحلة المقبلة، على الأرجح، محلّ استغلال من قبل قوى خارجية تستهدف تقوية نفوذها داخل بلاد الرافدين. الحديث، هنا، عن السعودية التي وجدت، على حين غرّة، في الصدر "الرجل الأوّل في حلّ الأزمات والمحافظة على وحدة الصفّ العراقي"، و"الرجل الوحيد الذي يستطيع الذهاب بالعراق إلى برّ الأمان، وقد أثبت في ما مضى أنّه غير موال لإيران التي لا تريد للعراق خيراً"، وفق وصف السفير السعودي لدى بغداد، ثامر السبهان.
هكذا تلقّفت المملكة التظاهرات الني نظّمها التيّار الصدري، في الأشهر الماضية، للمطالبة بالإصلاح، مفردة مساحات واسعة من منابرها الإعلامية للترويج لزعيم التيّار كنموذج "عروبي" تمكن المراهنة عليه في محاربة إيران. إستهدفت الرياض، ممّا تقدّم، إضعاف سلطات بغداد معاقبة لها على موقفها الملتبس من السياسات السعودية، ودقّ مزيد من الأسافين بين القوى السياسية العراقية بما يتيح لها التصدّر كراع ومصلح. اللافت أن جهودها تلك لم تقابَل بأذن طرشاء تحفظ للحراك الشعبي "عراقيّته"، بل لاقت يداً ممدودة تشهد عليها لقاءات السبهان ببرلمانيّين صدريّين في المنطقة الخضراء.
أميركيّاً، لا يبدو الموقف أقلّ خطورة. بالنسبة لواشنطن، ثمّة حاجة ملحّة لتصنيع شخصيّات وقوى تتولّى مهمّة التصدّي لرافضي النفوذ الأميركي في بلاد الرافدين، وخصوصاً بعد التخلّص من "داعش"، حيث سيخلو جزء كبير من الساحة لأولئك. حاولت الإدارة الأميركية، في الأشهر الماضية، القيام بـ"بروفا" تحضيرية في ذلك السبيل، عن طريق الزجّ في الميدان بنشطاء "مدنيّين" متخرّجين من الـ"NGOS"، لهم شعاراتهم الخاصّة وأهدافهم المعلنة وغير المعلنة، تحت ستار "الإصلاح". هذا ما يفسّر، على الأرجح، ظهور أدبيّات معادية للمرجعيّات الدينية ومطالبة بدولة مدنية، دونما سياق منطقي مفهوم ينسجم وواقع المجتمع العراقي. إستراتيجية يظهر أنّها ستستمرّ في مقبل الأيّام، بالإستثمار في الخلافات البينية العراقية، في ظلّ معلومات عن نية الولايات المتّحدة إعادة تصدير النشطاء "المدنيّين" تحت عنوان جديد، هو محاربة "الميليشيات"، المتمثّلة من وجهة نظر واشنطن في "الحشد الشعبي".
يتطلع الحكيم إلى دور توفيقي ضمن التحالف ليعزّز رصيده السياسي

في كلّ الأحوال، ليست مهمّة مقتدى الصدر، بريئة كانت أم متشعّبة الأبعاد، سهلة المنال، بالنظر إلى تراجع شعبية الرجل وسط شرائح اعتبرت مناداته بالإصلاح "جعجعة بلا طحين". ولعلّ ما يؤكّد ذلك هزالة التظاهرات التي دعا إليها الصدر في تموز/يوليو الماضي، مقارنة بما سبقها في نيسان/أبريل وأيّار/مايو.

الحكيم: جائزة ترضية

من جهة "المجلس الإسلامي الأعلى" بزعامة عمّار الحكيم، تبرز مؤشّرات التطلّع إلى دور توفيقي داخل "التحالف" يعزّز رصيد الحكيم السياسي، فضلاً عن التهيئة لكسب أصوات الناخبين المفترضين في الإنتخابات البرلمانية عام 2018. في هذا السياق، يبدو اختيار الحكيم، الذي زار إيران قبيل تعيينه رئيساً لـ"الوطني"، لمهمّة منع انفجار "التحالف" والذي كان إلى أسابيع يلوح في الأفق، عائداً إلى اعتباره "الحلقة الأضعف"، الذي لا يحمل "رأساً حامياً"، وكونه منفتحاً على الأطراف كافّة، وعلاقاته بهم لم تبلغ مستوى القطيعة أو حتّى التجريح. من هنا، يأتي حرص الحكيم على إتمام المهمّة الموكلة إليه، التي قد تخسّره حلفاء مرحليّين، كانت قد جمعته بهم مطالب "الإصلاح"، من مثل مقتدى الصدر.
إنتخابيّاً، يطالب الحكيم بإجراء الإنتخابات المحلّية والبرلمانية في وقت واحد، بهدفٍ ظاهره "ضغط النفقات"، إلّا أن باطنه السماح للمحافظين المحسوبين على الرجل، خصوصاً في البصرة التي شهدت تظاهرات مناوئة لـ"المجلس الأعلى"، بتبييض صفحة المجلس أمام الناخبين.

العبادي: الباقي... وحيداً

من جهة رئيس الوزراء، حيدر العبادي، تبرز المؤشّرات إلى بلوغ الضغوط عليه مستوى لا سابق له. يستشعر العبادي ميل الأميركيّين إلى "نفض يدهم" منه بعد الإنتهاء من همّ "داعش"، على اعتبار أنّه لم يطاوعهم في غير مسألة حيوية، رغم أنّه أبدى الكثير من الليونة وحتّى الإرتخاء إزاء مطالبهم. ويستشعر الرجل، أيضاً، حرداً إيرانيّاً مكتوماً كونه أظهر تردّداً في المواقف التي تطلّبت شجاعة، من وجهة نظر طهران، وتراجع عن الكثير من الإتّفاقات التي جرى إبرامها معه على غير صعيد. داخليّاً، يواجه رئيس الحكومة ضغوط التيّار الصدري في اتّجاه "تعيين وزراء مستقلّين ومختصّين للوزارات الأمنية، وعدم إرجاع الوزارات المستقيلة والمقالة"؛ كما يواجه مساعي صاحب "الثأر القديم"، نوري المالكي، في سحب البساط تدريجيّاً من تحته، عن طريق تسقيط وزرائه، وبالتالي تحميله وحده الأعباء كلّها، ما سيدفعه، في النهاية، إلى إعلان الإستسلام. وعليه، قد تنتظر العبادي لحظة تخلّ محلّية وإقليمية ودولية، شبيهة بما واجهه سلفه في آب/أغسطس 2014.
قد تنتظر حيدر العبادي لحظة تخلٍّ شبيهة بما واجهه نوري المالكي

المالكي: فائض قوة؟

من جهة رئيس الوزراء السابق، زعيم حزب "الدعوة"، نوري المالكي، تظهر مؤشّرات قوية إلى ترتيبات سلسة وهادئة للعودة إلى السلطة. يمتّن الرجل علاقاته مع "الحزب الإسلامي العراقي" من بوّابة نائب أمينه العام، رئيس البرلمان، سليم الجبوري، ويفعل الشيء نفسه مع "الإتّحاد الوطني الكردستاني"، بزعامة جلال طالباني، وحركة "التغيير" الكردية المعروفة بـ"كوران". تمتينٌ يتيح له، في السياسة، تدعيم نظريّته القائمة على ضرورة حكم العراق بالأغلبية السياسية؛ وفي البرلمان، يجد المالكي، عن طريق الحلفاء المذكورين، خير ظهير لتهشيم حكومة العبادي، باستجواب وزرائها واحداً تلو الآخر وسحب الثقة منهم. هذا ما حصل لوزير الدفاع، خالد العبيدي، ووزير المالية، هوشيار زيباري، وما يُنتظر أن يحصل قريباً لوزير الخارجية، إبراهيم الجعفري.
على المستوى الإنتخابي، بدأ المالكي، الذي عاد نائباً للرئيس بموجب قرار من المحكمة الإتّحادية، تحريك ماكينته الإنتخابية، مفتتحاً مكاتب لـ"دولة القانون" في المحافظات، ومحدّداً معايير المرشّحين للإنتخابات البرلمانية المرتقبة. وعلى صعيد العلاقة ببقية أقطاب "التحالف الوطني"، لا يظهر الرجل مكترثاً، بجدّ، لـ"حرد" الأصدقاء ــ الأعداء، وما تعليقه على رفض مقتدى الصدر قرار "الإتّحادية"، بأن "تلك تهديدات تطلقها بعض العصابات الساعية إلى تحريك القضاء والسلطة التنفيذية وفق عقليّاتها المنحرفة"، إّلا دليل على ذلك.
من كلّ ما تقدّم، يتّضح أن المالكي يستشعر، ربّما، فائض قوة، يدفعه من جديد إلى رئاسة مجلس الوزراء، إلّا أن دون طموحاته عقبات عدّة أبرزها انخفاض شعبيّته على نحو ملحوظ، وكثرة أعدائه الداخليّين والخارجيّين، وعدم اتّضاح ما ستؤول إليه الحسابات الإقليمية والدولية بشأن الخريطة السياسية العراقية ما بعد داعش"، علاوة على بروز قوّى حديثة على الساحة العراقية ("الحشد الشعبي")، سجّلت "انتصارات" ميدانية في العامين الماضيين، من غير المعروف، حتّى الآن، كيف ستُترجم سياسيّاً، ولمصلحة من.




«المجلس الأعلى»: زعامة الحكيم مهددة

يواجه رئيس "المجلس الإسلامي الأعلى"، عمار الحكيم، صعوبات على غير مستوى، تدفعه إلى "خطط بديلة" لتعزيز رصيده. ويأتي في مقدّمة تلك الصعوبات الشحّ المالي، الذي يشكّل عبئاً كبيراً على الرجل، وخصوصاً على أبواب الانتخابات المحلّية والبرلمانية. كما أن انقسام "المجلس الأعلى" على نفسه يُعدّ تحدّياً إضافيّاً أمام السياسي الشاب، يهدّد بفرط عقد الكيان الذي يتزعّمه. إذ تشير المعطيات إلى أن "المجلس" بات عبارة عن ثلاثة أجنحة، يعارض اثنان منها الحكيم، ويرفضان تحرّكاته الأخيرة، باعتبارها مستعجلة وأقرب إلى "الهرطقة" منها إلى الخطوات المدروسة. ويرفض أعضاء الجناحين المذكورَين، كذلك، تسيّد الحكيم عليهم، والتسليم له في كلّ ما يقول ويفعل، أسوة بما هو سائد داخل "التيّار الصدري"، باعتبارهم أبناء عشائر ذات وزن، ورأيهم ليس مجرّد "انعكاس لما يقرّره الزعيم".