ليست المرّة الأولى التي يُطرح فيها خيار تدخل بريطانيا عسكرياً في سوريا، فالمملكة أصلاً تساند رسمياً الولايات المتحدة في الحملة ضد "داعش" منذ ٢٠١٥. لكن يأتي التلميح البريطاني، هذه المرة، في جوّ محموم سياسياً ودبلوماسياً بين أبرز الأطراف المتصارعة، ووسط تصعيد عسكري بين واشنطن وموسكو قد يشبه بصورة أو بأخرى فترة الغليان خلال الحرب الباردة.

متذرّعاً بأن "قصف حلب غيّر الرأي العام" حول خيار التدخل العسكري في سوريا، أعلن وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، أمس، أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان أنه بات "من الصواب بحث تدخّل بريطانيا عسكرياً في الصراع السوري". وفيما أضاف أنّ "أي تحرك يجب أن يكون في إطار تحالف يضمّ الولايات المتحدة"، أعرب عن توقعه بألا يحدث ذلك في الأجل القصير. ورأى جونسون أنه بات "من الضروري والملِحّ" "بحث مسألة إنشاء قوة من الحلفاء للتدخل العسكري المباشر في سوريا"، وخصوصاً أن "معظم الناس، بينهم (وزير الخارجية الأميركي) جون كيري، أعتقد، يشعرون أن النقاشات مع روسيا وصلت الى حائط مسدود". ورغم تحذير الوزير البريطاني من أنّ التوصل الى صيغة للتدخل العسكري قد يحتاج الى "مسار طويل"، ومن أنه لا يريد "إعطاء آمال مزيفة للمعارضة السورية"، كشف أن اجتماعاً لوزراء الخارجية، يعقد الأحد المقبل في لندن، "سيبحث خيارات جديدة" تجاه سوريا. وأعلن أيضاً عزمه على طرح "فرض عقوبات اقتصادية جديدة على المقرّبين من النظام السوري، وعلى الروس"، إضافة الى إرسال مساعدات إنسانية للسوريين.
لكن ما شكل التدخل العسكري الغربي الذي لمّح اليه جونسون؟ وماذا عن التأييد الشعبي والسياسي البريطاني لتدخل قد يضع المملكة في جبهة عسكرية ضد روسيا؟ وزير الخارجية لم يفصّل ذلك، لكنه كرر مخاوف حكومة بلاده من عواقب اضطرار "قوات التحالف" إلى قصف الطائرات الروسية في حال اللجوء الى فرض منطقة حظر جوي، كاشفاً عن اقتراح وزارة الدفاع البريطانية "استهداف المروحيات السورية التي تقصف المدنيين".

فضّل الكرملن
عدم التعليق على حديث وزير الخارجية البريطاني

ما لم يتطرق له جونسون خلال الجلسة البرلمانية، حاول بعض الإعلام البريطاني الإجابة عنه ومناقشته. صحيفة "ذي غارديان" سألت "كيف يجب على بريطانيا أن تتصرّف إزاء الأزمة السورية؟"، وعرضت إجابات بعض النوّاب الحاليين والسابقين ورأي جندي بريطاني سابق وناشطة سورية. الإجابات تعددت، إذ اقترح البعض إنشاء "منطقة حظر جوي على المروحيات السورية" نظراً لـ"استحالة فرض منطقة حظر جوي شامل على كافة الأراضي السورية"، مخافة من الانجرار الى مواجهة روسيا عسكرياً، فيما اقترح البعض الآخر "إقامة مناطق آمنة وممرات انسانية بإشراف الأمم المتحدة وبمساعدة دول اخرى ليست غربية"، بينما رفض آخرون رفضاً قاطعاً مشاركة بريطانيا في أي تدخل عسكري، إذ لم يروا في ذلك سوى "إمعان في الحرب والمأساة والدمار والضحايا"، ووفق هؤلاء: "يجب على بريطانيا اذا أرادت فعلاً مساعدة السوريين أن تدين كافّة الهجمات في سوريا وتطالب بوقف إطلاق النار، وانسحاب كافة القوى الخارجية من الأراضي السورية".
تلك الآراء المتباينة في الاقتراحات والمجمعة على عدم الرغبة بالانجرار الى مواجهة عسكرية مع روسيا، انعكست أيضاً في استطلاع للرأي نشرته محطة "سكاي نيوز" عقب تصريح وزير الخارجية جونسون. الاستطلاع أظهر أن ٤٦٪ من البريطانيين المستطلَعين يؤيدون "تدخّلاً عسكرياً بريطانياً مباشراً لإنهاء أزمة حلب"، في مقابل رفض ٣٧٪ منهم ذلك، بينما يرفض ٥١٪ من المستطلَعين "التدخل العسكري المباشر إن كان ذلك سيتسبب بمواجهة مع روسيا".
وترفض بعض الأحزاب البريطانية اليسارية والمناهضة للحروب، على رأسها حزب العمال البريطاني بقيادة جيريمي كوربن، رفضاً قاطعاً المشاركة في الحرب السورية، وتذكّر بـ"مغامرة العراق الباهظة الثمن".
وسبقت تلميح وزير الخارجية البريطاني بشأن التدخل العسكري المباشر حملة سياسية كلامية وإعلامية بريطانية ضد روسيا، إذ كان جونسون قد قال قبل أيام إن هناك خطرا بأن تتحوّل روسيا الى "دولة مارقة" اذا استمرت بنهجها الحالي في سوريا، داعياً الحركات والأحزاب البريطانية المناهضة للحرب "إلى التظاهر أمام السفارة الروسية".
لكن داخلياً أيضاً، نقلت بعض الصحف البريطانية تصريحات أحد مساعدي زعيم حزب العمّال الذي قال إنّ "تركيز جونسون على اتهام روسيا، من شأنه أن يصرف النظر عن الفظائع التي تقوم بها الولايات المتحدة في المنطقة، وإنّ التظاهر أمام السفارة الروسية احتجاجاً على قصف حلب، يمكن أن تقابله تظاهرات مماثلة أمام السفارة الأميركية وسفارات دول مشاركة أخرى".
من جهة أخرى، فضّل الكرملين عدم التعليق على تلميح وزير الخارجية البريطاني "بانتظار أن تتضح الأمور". وأكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديميتري بيسكوف أن روسيا "ترحب بمشاركة أية دولة في مكافحة الإرهاب... وتستنكر الجهود المبذولة لمكافحة السلطة الشرعية في أي بلد".